رفع العقوبات عن السودان.. نصفُ انتصار ونصفُ هزيمة

SudanÕs President Omar Hassan al-Bashir speaks during a press conference after the oath of the prime minister and first vice president Bakri Hassan Saleh at the palace in Khartoum, Sudan March 2, 2017. REUTERS/Mohamed Nureldin Abdallah

وسط ترقب وحذر سيطرا على مدى أشهر، جاء إعلان الإدارة الأميركية قرارها بإرجاء رفع العقوبات المفروضة على السودان منذ العام 1997، لثلاثة أشهر أخرى، مساء أمس (لثلاثاء (12 تموز/يوليو)، وذلك بعد انقضاء مهلة الـ 6 أشهر التي منحت للسودان من قبل الإدارة السابقة. وكرد فعل على قرار الإدارة الأميركي، جاء قرار السودان سريعا: بالمعاملة بالمثل، حيث أصدر الرئيس البشير قرارا جمهوريا (!) أوقف بموجبه عمل لجنة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية بالكامل لمدة ثلاثة أشهر.

بالعودة إلى القرار الأميركي، على ما يبدو، حاول قرار إدارة ترمب إمساك العصا من المنتصف لإرضاء الجميع:
أولًا: الإدارة الأميركية الحالية لأنها واقعة تحت ضغوط شديدة لمنعها من رفع العقوبات، وفى نفس الوقت لديها التزامات مكتوبة بينها والسودان في قضايا متفق عليه بين الطرفين.
ثانيا: هناك اللوبيات التي تُعارض رفع العقوبات وتدعو صراحة إلى تبني عقوبات جديدة أكثر تشددا ضد السودان.
وثالثا: مؤيدي الحكومة السودانية، والذين لا يطالبون بالرفع التام للعقوبات فحسب، من منطلق وفاء الخرطوم بتعهداتها لواشنطن، بجانب توسط دول الخليج العربي في موضوع رفع العقوبات عن السودان، فتأجيل رفع تلك العقوبات قد يسبب لواشنطن لدى حلفائها الخليجيين أيضا.

ضمن سباق كسب الوقت بين الخرطوم وخصومها، ومنذ أن قرّر باراك أوباما رفع العقوبات عن السودان في آخر أيام ولايته، نشطت اللوبيات البارزة في ممارسة ضغوط كبيرة على الدوائر الرسمية.

ويمكن وصف القرار بأنه "نصفُ انتصار ونصفُ هزيمة". بالنسبة للحكومة السودانية فهو نصف هزيمة لأنها راهنت على صدور قرار نهائي برفع تلك العقوبات، استنادا إلى المواقف المعلنة للإدارة الأميركية والتفاهمات بينها وبين مؤسسات أميركية عديدة والتي أظهرت مواقف إيجابية في هذا الاتجاه، فضلًا عن مواقف مسئولين حاليين وسابقين جميعهم أيدوا اتخاذ قرار رفع العقوبات. كذلك، يعتبر القرار نصف هزيمة للإدارة الأميركية التي تنخرط مع السودان في أكثر من ملف من ملفات الأمن القومي الأميركي والمصالح الحيوية لواشنطن، ولكن لا تستطيع مقاومة الضغوط عليها. كما يمكن أن يعتبر القرار كذلك نصف انتصار لمجموعات الضغط التي رفعت من سقف طموحاتها، فدعت ليس فقط لرفع تلك العقوبات، وإنما تجديدها بحزمة عقوبات ذكية، ورغم عدم تحقيق تلك الرغبات الجامحة، ولكنها عرقلت -على الأقل- صدور قرار برفعها مع أنه قد توفرت له بيئة مناسبة ومعطيات جديدة لم تتوفر من ذي قبل، فكان قاب قوسين أو أدنى من الحدوث.

بيد أن الموضوع أكثر تعقيدا، فبعض اللوبيات، كمشروع كفاية (Enough Project)- مجموعة ضغط تناهض الإبادة الجماعية- ظلت على مدار الأشهر الماضية تقود حملة مضادة من أجل تجديد العقوبات على السودان. ومن المفارقات أنّ أنصار هذا التوجه الأخير يتفقون على أن العقوبات الحالية لم تعد فعالة ولم تؤد إلى نتائج ملموسة، ولو استمرت لعقود أخرى قادمة.

وقد يجهل كثيرون، أنّ هناك تعقيدات تحيط بتلك العقوبات تجعل منها قضية عسيرة وشائكة بالنسبة لكافة الأطراف؛ وأشد تلك التعقيدات تكمن بالكونغرس، حيث يواجه السودان داخله بقوة نفوذ اللوبيات هناك، فخصوم الخرطوم هناك هم من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) وهناك من هم من كتلة السود (البلاك كوكس)، وجميعهم متشددون تجاه السودان، وهو ما يضع الخرطوم أمام رحلة شاقة قبل طي صفحة هذا الكابوس تمامًا.

وإزاء كل ذلك، من المتوقع أن يواجِه أي قرار لرفع العقوبات قد تُقدِم عليه الإدارة الحالية بعد انتهاء فترة التمديد الجديدة في 12 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بعاصفة من التحركات المضادة؛ فالعقوبات المفروضة من قبل الكونغرس سوف تظل قائمة، وسيقف النواب المؤيدين لها في الدفاع عنها حتى لو اتخذ ترمب قرار رفع العقوبات بموجب "أمر تنفيذ". من المحتمل كذلك، أن يحدث مع السودان نفس ما حدث مع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب أو (قانون جاستا) مع المملكة العربية السعودية في العام 2016، عندما صوّت الكونغرس ضد قرار أوباما بإلغاء القانون، وإعادة التصويت عليه مرة أخرى وبأغلبية مطلقة.

ضمن سباق كسب الوقت بين الخرطوم وخصومها، ومنذ أن قرّر باراك أوباما رفع العقوبات عن السودان في آخر أيام ولايته، نشطت اللوبيات البارزة في ممارسة ضغوط كبيرة على الدوائر الرسمية. ومع ذلك، لم تستطع دفع الإدارة الأميركية لتبنى وجهات نظرها المتشددة تجاه السودان. ورغم افتقار الحكومة السودانية للوبي قوي في واشنطن، بزغت مؤخرا ملامح "تشكل" لوبي مؤيد لها قوامه مسئولين سابقين، وباحثين، أظهروا مواقف داعمة لرفع العقوبات عن السودان وشكلوا صوتا موازنا للأصوات المناهضة للخرطوم في واشنطن.

على سبيل المثال، كتب جون برندرغاست وجورج كلوني (المؤسِسِان المشتركان لمبادرة The Sentry (المترصد)، والتي تعمل من أجل إنهاء الصراعات القاتلة في إفريقيا)، مقالة مشتركة نشراها على مجلة (تايم) بتاريخ السادس من تموز/يوليو الحالي، انتقدا فيها بشدة سماح السلطات الأميركية لمجموعة ضغط، وهي (Squire Patton Boggs)، تعاقدت معها الحكومة السودانية بمبلغ (40) الف دولار أمريكي شهريا، للقيام بحملات من أجل الرفع الدائم العقوبات. وعلى ما يبدو نجحت الشركة في تجنيب السودان تداعيات المساومات داخل إدارة ترمب والدوائر الأخرى خارج الإدارة.

أي توتر محتمل في علاقات الخرطوم وواشنطن سيصب في مصلحة الدب الروسي الذي يتأهب لمنازلة الغرب في ميدان جديدة سيكون هذه المرة في أفريقيا: في السودان تحديدا.

وكما هو معلوم للمتابعين، هناك انقسام حاد داخل الإدارة الحالية، وصراع مع دوائر خارجها، حول العديد من القضايا، وهو بيئة مثالية بالنسبة لطرح المساومات والتنازلات بين مختلف الأطراف، وكان من الممكن أن يكون ملف السودان من بين تلك الملفات التي تُطرح للمساومة عليها. ومن المواقف اللافتة في هذا الخضم، موقف "مجموعة الأزمات الدولية" التي أيدت المواقف الداعية لرفع العقوبات عن السودان، حيث جادلت المجموعة النافذة في داخل دوائر صناع القرار الدولي، بأن "الرفع التام للعقوبات الاقتصادية سيزيد من نفوذ واشنطن على السودان، كما سيدفع بالإصلاح السياسي، حتى وإن لم يحقق السودان سوى تقدم طفيف في المجالات الخمس الموضوعة تحت الرقابة".

إن التأجيل سيطلق سباقًا سيثير أنفاس الجميع من أجل التأثير على القرار الذي سيتبع بعد انتهاء المهلة الجديدة أيا كان هذا القرار؛ فمهلة ثلاثة أشهر قصيرة، ذلك أن الجميع سعى من أجل تجيير المهلة السابقة التي أعطتها إدارة أوباما للسودان في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ووضعت من خلالها سلوك الخرطوم تحت المراقبة الصارمة، وذلك لمعرفة مدى التقدم في المسارات الخمس، وهي (مكافحة الإرهاب، وجيش الرب الأوغندي، ووقف إطلاق النار في دارفور والمنطقتين (هما جنوب كردفان والنيل الأزرق)، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وعدم التدخل السالب في جنوب السودان).

قرار واشنطن ورد فع الخرطوم عليه، سيوجهان النظر صوب موسكو حيث الزيارة المرتقبة للرئيس البشير بدعوة من الرئيس بوتين حسبما اُعلن، فأي توتر محتمل في علاقات الخرطوم وواشنطن سيصب في مصلحة الدب الروسي الذي يتأهب لمنازلة الغرب في ميدان جديدة سيكون هذه المرة في أفريقيا: في السودان تحديدا.

من حُسن حظ الخرطوم ربما، أن المهلة الجديدة لم تتضمن شروطًا جديدة كان يمكن أن تكون شروطًا مشددة، ستزيد من التعقيدات التي تنتظرها.