شعار قسم مدونات

انقلاب الأتراك.. رب ضارة نافعة

blogs محاولة انقلاب تركيا الفاشلة

قبل عام من الآن، كانت تركيا تعيش أصعب لحظة في تاريخها المعاصر، لحظة فاصلة بين سواد حالك، حل كابوساً في ظلام الليل، على جموع الشعب التركي، وبين عودة الصباح الذي أشرق بانتصار، صنعه الأتراك، في آخر ساعات الليل، فقط عندما قرروا أن يكتبوا تاريخاً جديداً، لا أن يصبحوا ضحية من ضحاياه، وعبرة من عبره المأساوية.

محاولة انقلابية عمرها الزمني لم يتجاوز بضع ساعات، لكنها كانت كافية لأن تكشف الكثير من الحقائق، والمعلومات، والنفاق، والتضليل، والبغضاء، والكذب، وأشياء كثيرة كنا نجهلها، وأصبحت واضحة بعد بدء دبابات الانقلاب بالنزول إلى شوارع إسطنبول، وأخواتها، من المدن التركية، في خطوة غبية، عجّلت بزوال ما بدا مخططاً منذ زمن طويل. 

لم تكن تركيا وحدها من عاشت تفاصيل اللحظات الصعبة، الجميع أيضاً كان يتابع ما يحدث، وسط حالة من الدهشة، والتشكيك بمجريات الأحداث، وتسارعها في مشهد دراماتيكي، لم تستوعبه وسائل الإعلام، ولا تحليلات الساسة، وتكهنات المنجمين، الذين سمحوا لأحلامهم بالسقوط، بعد أن هللوا لانقلاب ولد ميتاً، ولم يكتب له البقاء. 

المحاولة الانقلابية كانت بنتائجها، محض خير لتركيا، لتطهير المؤسسة العسكرية من جنرالات العلمانية العقيمة، ومؤسسات الدولة، من أتباع الكيان الموازي، الذي استشرى فيها كالسرطان

المحاولة الانقلابية بقدر ما عززت من وحدة الشعب التركي، وكشفت عن وعيه، وإدراكه الكبير لما يمكن أن يحدث، فإنها وفي نفس الوقت، أسقطت الأقنعة عن كثير من الوسائل الإعلامية، التي تحولت إلى ناطقة باسم جنرالات الانقلاب، ومنحتهم صفة الجيش التركي، خلال تغطيتها للحدث، وتلك مفارقة أسقطت مهنيتها أيضاً، لكنها اختارت لنفسها ذلك، فسقطت مهنياً، وسقطت لأن الانقلاب سقط أيضاً، بينما ترفعت عدة وسائل إعلامية عن السقوط المهني، وتعاطت مع الحدث بعيداً عن مكايدات السياسة، وتوجيهات المخابرات، فارتفع رصيدها القيمي في أعين الجماهير، لأنها اختارت الحقيقة فقط.

المحاولة الانقلابية، كشفت أيضاً عن مدى انزعاج أنظمة عربية من أي وجود للتيار الإسلامي في سدة الحكم، كالنظام الإماراتي الذي دفع مبالغ ضخمة لإنجاح الانقلاب، والنظم الأخرى التي التزمت الصمت، أملاً بإزاحة السلطان أردوغان كما يحلو لها أن تسميه، من باب الشتيمة السياسية، لكن فشل الانقلاب، دفع بعضها لإدانتها في محاولة للهروب إلى الأمام، والتملص من استحقاق الغضب التركي.
 

لقد أدرك الشعب التركي، أن المسألة لا تتعلق بإسقاط شخص الرئيس أردوغان، أو إزاحة حزب العدالة، والتنمية الحاكم، بقدر ماهي اعتداء على حق الشعب، فيما قرره واختاره، وتجاوزاً مرفوضاً لإرادة الشعب

أشرق صباح السادس عشر من تموز/يوليو، بهزيمة نكراء، كان المنتصر فيها الشعب التركي، الذي وقف بشموخ أمام جنازير دبابات الانقلاب، ومروحياته التي أفسدت الأجواء، وتسببت بقتل وإصابة المئات من المدنيين، على أن ذلك لم يخيفهم، بل زادهم قوة وثباتاً، غير أن اللافت في ذلك الصباح، والمخزي، والمضحك في نفس الوقت، العناوين العريضة التي تصدرت واجهات الصحف المصرية، وهي تحتفل بانقلاب لم ينجح، وحاولت إظهاره، كتاريخ أصبح واقعاً، في حين كانت تغالط نفسها لا أكثر، التاريخ لا تكتبه الأقلام المخادعة، ولا التحليلات المنمقة، ولا العناوين الضخمة، وشتان بين من يقول وبين من يفعل. 

لقد أدرك الشعب التركي، أن المسألة لا تتعلق بإسقاط شخص الرئيس أردوغان، أو إزاحة حزب العدالة، والتنمية الحاكم، بقدر ماهي اعتداء على حق الشعب، فيما قرره واختاره، وتجاوزاً مرفوضاً لإرادة الشعب، وتعدياً على مكتسباته، وكان لافتاً أن الجماهير التي نزلت إلى الشوارع حملت معها العلم التركي فقط، وحوت جميع التوجهات، والأطياف السياسية في تركيا، ولم تكن الحشود سوى تعبيراً عن حالة الرفض الشعبي لجميع الانقلابات السابقة، ولأي انقلاب محتمل في قادم الأيام.

المحاولة الانقلابية كانت بنتائجها، محض خير لتركيا، لتطهير المؤسسة العسكرية من جنرالات العلمانية العقيمة، ومؤسسات الدولة، من أتباع الكيان الموازي، الذي استشرى فيها كالسرطان، وبشكل عام فإن المحاولة الانقلابية، صنعت انقلاباً شعبياً على الانقلابيين أنفسهم، وينطبق عليها المثل القائل: رب ضارة نافعة.