الاحتواء السياسي: خطوتان للأمام وثلاث للخلف!

مدونات - شطرنج مجسم

في البيئة المدرسية يلقى على أسماعك القول مراراً وتكراراً، ما لم تشغل الطالب فإنه سوف يشغلك، وفي الحياة العملية يتم توصيف الزواج من ثانية، بأنه ما هو إلا وسيلة لتمام احتواء الزوجة الأولى، وفي هذين المثالين قدر من الوجاهة ويصلحان كمؤشرين على التطبيقات البدائية للاحتواء في أبسط صوره: احتواء العصا والجزرة، أما التطبيقات السياسية فتلك قصة أخرى!

تعود نظرية الاحتواء إلى المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان، ونظريته في الحرب الباردة في أواخر عقد الأربعينيات في عهد الرئيس هاري ترومان وتحديداً في العام 1947، في مقالته الشهيرة بمجلة الشؤون الدولية حول مصادر السلوك السوفياتي، وهي سياسة تقوم على استقطاب دول العالم حرصاً على عدم وقوعها في النفوذ الروسي آنذاك، وتصنف بالتالي وفق ذلك الفهم بوصفها سياسة دفاعية بخلاف سياسة ايزنهاور في ملء فراغ الشرق الأوسط ذات النزعة الهجومية الهادفة لبسط السيطرة على مناطق النفوذ الاستعماري الأوروبي في أفريقيا وآسيا حماية للمصالح الإمبريالية.

والاحتواء فعل وقائي استباقي وإجراء متبع إزاء الدول المسالمة لئلا يخرج من أصلابها من يلعن أمريكيا أو يسبها على الأقل بصورة المسبات الكورية الشمالية قبل أيام، وهو بالتالي فعل مضاد للتوسع الإقليمي بالقوة، يهدف للتغلب على نفوذ الدول المارقة التي تتمتع بنظام شمولي يعطل بقية أنظمة الدولة.

وفق الرؤية الأمريكية فإن الدول المارقة تتناثر عبر خارطة العالم، فمن الضروري تطبيق سياسة الاحتواء تجاه عدة دول مثل: روسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها، عبر الاحتواء الأبرز وهو السياسي، ناهيك عن أهمية الاحتواء الاقتصادي

كان الظهور الأول لسياسة الاحتواء لدى مذهب المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية المتعارف عليه (بالريال بوليتيك)، عبر الممثل الأبرز لهذا الاتجاه وهو هنري كيسنجر، ومن الإنصاف القول بأن استراتيجية الاحتواء (Containment strategy) خدمت العم سام لأبعد حد؛ ذلك بأنها أوجدت كل ما من شأنه تقليل أخطار الخصم الافتراضي، والقضاء على مسببات أخطاره، والنهوض بتكتيكات(فنيات) التعامل مع الخصم والتصدي لمؤامراته واستيعابه وترويضه.

أين ينبغي لسياسة الاحتواء أن تفرض نفسها؟
وفق الرؤية الأمريكية فإن الدول المارقة تتناثر عبر خارطة العالم، فمن الضروري تطبيق سياسة الاحتواء تجاه عدة دول مثل: روسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها، عبر الاحتواء الأبرز وهو السياسي، ناهيك عن أهمية الاحتواء الاقتصادي باحتواء أمريكا مثلاً للصناعات اليابانية والألمانية والصينية، وبالتالي نجد أنفسنا إزاء عدة احتواءات سياسية تتدرج ما بين: الاستقطاب والتبني والاختراق والتطويق والتفريق والتهميش.

يجري توصيف الاحتواء بأنه شيطنة الآخر وليس بالضرورة دوماً استعراض ما لديه من تاريخ حافل وتلطيخه بالعار في مرحلة قادمة، فقد يكون عبر تبني طموحات الطرف النقيض وايجاد قاسم مشترك من الرغبات بين الندين، وإرغام الخصم على خيارات ما أو التحايل عليه من خلال تبنيه لطروحات لا تصب في مصلحته علم أم لم يعلم.

ترى كم وصلت موجة الاحتواء في عالمنا العربي، وهل نحن إزاء الربع الأخير من احتواء الثقافة؟ أعتقد جازماً أن الإجابة تكمن في مشهد التكالب الخليجي الحالي على قطر، وما آلت إليه هذه الفقاعة من نهايات تراجيدية، وبالأخص انتكاس سياسات الاحتواء الإعلامي الهادف للنيل من قناة الجزيرة القطرية ذات الريادة والتميّز.

تبرز البراجماتية النفعية وشعارها الغاية تبرر الوسيلة في مقدار الهجمة على الأمة وإن أخطر ما في هذا السياق تكرار التهجم على الدين من باب الاحتواء السياسي

وفي هذا النطاق فإنه من مؤشرات الفشل الجزئي لسياسة الاحتواء يتمثل في مقولة تريزا ماي بعيد هجمات لندن مؤخراً إذ قالت إن "للإرهاب ملاذات آمنة على الأنترنت وفي الجغرافيا"، وإذا كان القوي يدور في فلكه كثير من الاتباع وفق نظرية ابن خلدون "المغلوب مولع بتقليد الغالب" فلا بد من ذكر سياسات حزب ما في منطقتنا العربية، دار في فلك السياسات الروسية عبر النصف الثاني من القرن الماضي مصدّعاً رؤوسنا طيلة أربعين عاماً تحت ستار مقولات إنشائية لغوية، لنكتشف في نهاية المطاف انه احتواء لنا نحن في الداخل أكثر منه لمن هم في الخارج!

تبرز البراجماتية النفعية وشعارها الغاية تبرر الوسيلة في مقدار الهجمة على الأمة وإن أخطر ما في هذا السياق تكرار التهجم على الدين من باب الاحتواء السياسي، وإذا كان آخر الدواء الكي، فإن آخر الاحتواء هو احتواء المسمى اللفظي فمثلاً بدلاً من أن يقال الجمهورية الإسلامية الإيرانية يقال إيران، وبدلاً من أن يقال تنظيم الدولة يقال داعش وبدلاً من أن يقال جبهة النصرة يقال الجماعات الإرهابية وقس على ذلك.

تجارب الغرب في الاحتواء !
لكي ينجح الاحتواء في العالم كله لا بد من العدالة وهي من الثوابت الأزلية، وإن توصيف اللجوء السياسي بأنه احتواء للخصم ضمن قاعدة عدو عدوك صديقك، ليس وليداً لهذه اللحظة بل له جذور تاريخية ممتدة.

وعبر حقبة طويلة من نهج الاحتواء سعت أمريكيا لتحجيم كاسترو وغورباتشوف والخميني ودول الطوق العربي، والقاعدة، والإخوان المسلمين وطالبان، والتيار القومي العربي، وحماس عبر سيل جارف من المخططات لا نعرف مداه، فهل تم الاحتواء بالتنازل عن المبادئ إلى سياسات فقه الواقع التي تبحر سفن خلاصها على تحركات بوصلة الخنوع؟!

تقترح الولايات المتحدة في احتواء استباقي قبيل الحصول على تأشيرات الهجرة لها ولأوروبا أن يجري البحث في صفحات التواصل الاجتماعي للأفراد، وتحليل التعليقات ودراسة اللايكات ونوعيتها والمدى الذي تسير فيه وتصنيفها السياسي والاجتماعي

جاء الائتلاف المضاد لقطر دليلاً على سقوطه تحت سياسة الاحتواء، وبتبنيها لاستراتيجية صديق الجميع، فإن قطر لم تنل الرضى السياسي المحيط بها، فبابتعادها عن الاصطفاف ضمن الصف المعادي للأمة جاءت السياسات القطرية متصالحة مع نفسها ومنسجمة مع الواقع المنتظر.

 

وفي سياق آخر فإن ما نسمعه مراراً وتكراراً من قيام جندي أفغاني بقتل زملاءه، وما جرى مؤخراً في ولاية ننغرهار الأفغانية من إطلاق الرصاص على قوات أمريكية، دلائل على فشل سياسات الاحتواء، ولك في حرب المدن خير مثال وهذا ما حصل في الفلوجة والموصل مؤخراً حين كان السيل المتتالي من الحملات الإعلامية والدعائية وتخصيص المليارات لشيطنة الخصم، أو لجعله يتقبل الآخرين عبر نشر فضائيات عراقية إعلامية مضادة كالفطر كلها ممولة أمريكيا واتباع سياسة رمي المنشورات وفي النهاية يقال تم تحقيق الهدف ولكن تهدم كل العمران، فكل ذلك لم يأت بنتائج بل تم الرد عليه حتى وصلت الردود عبر حرب الأمتار والتدرج القياسي لها، أما الاحتواء عبر تعميم النمط الغربي والأمريكي ومقدار ما لاقاه من القبول، ومقدار ما أوجده من طبقات تم تغريبها في الدول العربية، فهذا ما نشاهده عبر استعراض سير أعلام النبلاء من رجالات الدولة العميقة وفجورهم شرقاً وغرباً.

وفي نهاية المطاف تقترح الولايات المتحدة في احتواء استباقي قبيل الحصول على تأشيرات الهجرة لها ولأوروبا أن يجري البحث في صفحات التواصل الاجتماعي للأفراد، وتحليل التعليقات ودراسة اللايكات ونوعيتها والمدى الذي تسير فيه وتصنيفها السياسي والاجتماعي، ومن هنا ندرك استعصاء كثير من التنظيمات على سياسات الاحتواء، وهذا بكل بساطة لأنها أيديولوجية، فمن الممكن جر الحصان للماء ولكن من الصعب بمكان أن تجبره على الشرب، ولهذا أصبحت لازمة متكررة أن يقال على لسان الأمريكيين: يلزمنا عقدان ممتدان بهدف كسب سياسة حرب الأفكار!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان