مع الوقت، لم يعد الأتراك مُجرد "عُمال أجانب" وبدأ هؤلاء يجتهدون في الحفاظ على هويتهم والتأسيس لبناء مسجدٍ جامعٍ يليق بحضورهم في كولونيا عمومًا وفي الأحياء التي تجمعهم مثل "مولهايم" و"كالك" و"إيرينفيلد" ويصل تعدادهم اليوم إلى حوالي 60 ألف، ورغم هذه "الكثرة" إلا أنهم لم ينجحوا في بناء مسجد جامع لهم منذ تسعينيّات القرن الماضي، بل إن الفكرة لم تتحول إلى حقيقة ملموسة إلا عام 2008 حين بدأ البناء الذي لم يكتمل إلا في شهر رمضان الأخير (2017) وذلك بعد عناء طويل.
من يُطالع الصُحف الألمانية وما نُشر فيها عام 2007 – قبل بدء البناء – سيجد العجب العُجاب حيث اعتبر البعض وجود مسجد كبير بمثابة "فشل للإندماج" الذي تسعى الحُكومة إليه منذ عهود، كما سيجد أن احدى الجماعات المُعارضة قدمت عريضة ضد المسجد وكان فيها أكثر من 7000 توقيع مُضلل، وليس أعجب من هذا إلا طلب أحد مشاهير الصحافة الألمانيّة – ومن باب الحريّة الفكريّة – بأن يُسمح له بتلاوة "الآيات الشيطانيّة" لسلمان رشدي، فراح زُملائه يُصفقون له ويعيبون من ينتقده، ولا أدري كيف ستكون ردة فعل هؤلاء لو طلب رجل أن يقرأ قبسات من كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر في كنيس يهودي.. لا بُد أن ألمانيا كُلها ستشتعل ضدّه!

حكاية المآذن لم تنته عند ارتفاعها، فتصميمها لا يُذكرنا لا بالمآذن المملوكيّة ولا الأيوبيّة ولا حتى العثمانيّة، فهي مُصممة بشكل "حداثيّ" يُفهم أنها ضمن مُحاولة الدمج بين ما هو تراثي وحداثي في تصميم المسجد ككل، ولكن يبدو أنها هُنا "اضطرارية"، وقد تكون ردًا على من تخوّف من اغتراب مدينته بسبب المآذن العثمانيّة التي تبدو واضحة في النماذج الأوليّة المقترحة لبناء المسجد والتي قد تذكر بالعثمانيين، ولهذا فقد تم استبدال التصميم لتكون المآذن الجديدة "أكثر تجريدًا وحداثة وأقل تُراثية"، وهذا كُله كان مُقدمة لما بعده، حيث اشتعل خلاف بين جماعة المسجد والمعماري الألماني، وذلك حين وُجهت إليه عام 2011 اتهامات بعدم القيام بأعماله كما يجب ووجود أكثر من 2000 خلل في المبنى!
الخلل الجمالي الأبرز الذي قد يُلاحظه أكثر الزوّار ولا يروق لهم، هو اللون "الأصفر" للجدران الخرسانيّة الخارجيّة والتي كان يُفترض أن تكون بيضاء، والنُكتة أن الصحافة كانت تحتفل كُل مرّة بهذه الإشكاليّات وتصنع منها حكايات، حيث ظهر حينها فيلم بعنوان "الله في إيرينفيلد (حي المسجد)" والذي روّج لفكرة أن سبب الإشكاليّة يكمن في فكرة سيطرة الحكومة التركيّة على القرار ومحاولة التخلص من المهندس المعماري "المسيحي"، وذلك بدلًا من مناقشة الأخطاء التي تمّت في عمليّة البناء – كما هي عادة الألمان!

الجمال الحقيقي، كما رأيته، لا يكمن في موضعٍ كما يكمن في العمارة الداخليّة للمسجد، فما إن تدخل المسجد حتى ترى خزائن الأحذيّة المرقّمة والجذابة بألوانها التي تتغيّر إليكترونيا، ثم ما إن تنظر أمامك حتى ترى المحراب المُبهر وهو أشبه ما يكون بمحراب سلجوقي يُذكرنا بشيء من عراقة الماضي، ثم ترى الزجاج الشفاف من حوله يجعل الضوء يتلاعب في المسجد ليُضيف سحرًا للمسجد وزخرفاته التي تنتشر في كُل مكان والتي عمل عليها أكثر من 30 فنان لأكثر من خمسة أشهر، كما يثير السجاد الأزرق "البترولي" في النفس شيءٌ من مشاعر الطمأنينة والانسجام، والقبّة من فوق لا تزال تحتفظ بفتحة يُنظر منها إلى السماء، ثم ما إن تعيد النظر في الزخارف حتى ترى فيها "عيسى روح الله" وكأنها رسالة طمأنةٍ أخرى .. بأن هناك ما يجمعنا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

