شعار قسم مدونات

الجزائر بين إهمال الطاقات وترشيد النفقات

blogs - عبد المجيد تبون. الوزير الاول في الحكومة الجزائرية
كثير من اقتصاديات الدول تعمد قصدا لأسلوب ترشيد نفقاتها مع ما تتطلبه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الداخل أو الخارج كما على مستويات جزئية أو كلية، ويأتي هذا الإجراء مجابها للأزمات المالية والاقتصادية وكذا إحداث التوازنات المالية في الاقتصاد الكلي، غير أن عدم نجاعة هذا الخيار مرده عدم تكييفه مع ضوابطه وآليته، فإذا ما اعتبرنا أن المجتمعات التائهة والراكدة تحتاج ترشيد نفقاتها في أوضاع عناوينها الفساد الإداري والبيروقراطية والتعسف واللامساواة، فهنا سيكون نتاج ترشيد النفقات على كل المستويات آلية شكلية وإجراء لحظي ليس إلا، ثم سيعود مشهد الفساد مهيمنا من جديد ومدججا سلاحه في وجه كل من يتكلم عن التغيير والحريات ودولة الحق والقانون.
وهذا الأمر نشاهده في حيثيات عديدة ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، بحيث بات الأفراد أو الجماعات أو الحكومات تقدم في نفس الأسباب وتنتظر في نتائج مختلفة، وهذا الأمر ترفضه السنن الكونية والطبيعة البشرية والدورة الاقتصادية.

ولعل مثال تيه السياسات الاقتصادية القديمة والحديثة في الجزائر تعبير عن الفشل الذريع الذي يتخبط فيه السياسيون في البلاد منذ عقود، وهو ما ينطبق على قول أهل الكلام في هذ الشأن أنهم يدورون حول الدور، أي الحديث عن إحداث توازنات مالية والرفع من قيمة الناتج المحلي الخام وتحسين القدرة الشرائية للمواطن وتفعيل الاقتصاديات الصغيرة والمتوسطة، وكذا تشجيع الاستثمارات الأجنبية، أصبح كله تنميقا من الكلام وتجسيدا لبعض الجزئيات لا كلها، وتزييفا لواقع نسيف يعيشه المواطن في بلد أصبحت فيه طاقاته لا تبحث سوى عن كيانها وحريتها أينما حلت.

أصبح جواز السفر الجزائري في المرتبة 88 من أصل 104 في آخر إحصائيات مؤشر قوة جواز السفر، وهذا الأمر ليس بغريب لأن الأرقام لا تنطق بالكذب، فأرقام الجزائر المسجلة في واقع المواطن وليس في دفاتر الإدارة تفسر هي الأخرى الأرقام المسجلة في صعيد الهجرة الشرعية وغير الشرعية.

وليس بغريب أن نجد الآن حوالي 60 ألف باحث جزائري يخدمون الأنظمة التعليمية والاقتصادية والعلمية الأجنبية، وقد صنعوا تراكما للوفاء تجاه هذه الأخيرة، مما فتح مجالا أوسع لتطوير نظرياتهم وخبراتهم في بيئة لا حدود للأحلام في سمائها، في حين نجد أن ممارسي ومنظري السياسة الجزائرية جلهم فاق العقد الخمسين والستين وبلغ حتى العقد السبعين، وقليل هم أصحاب العقود الأولى عقد العشرين والثلاثين والأربعين، الشيء الذي جعل من الفرد الجزائري ينكر كل عمل وممارسة سياسية وكل برنامج اقتصادي ومالي وأي إصلاحات اجتماعية أو اقتصادية، كيف لا وقد عبر الشاعر بقوله:
إذا بدى الشيب على رأس امرئ *** تنقص له من أيامه مستطابها

وحقيقة إهمال هذه العقول والطاقات وإفشالها وجعلها لا تفكر في مستقبل بعيد، أي لا تستشرف مستقبلها ولا تفسر حاضرها، هو من حقيقة تيه وفساد مجتمعاتها وتذيلها في كل مرة مراتب دنيا حسب أغلب المؤشرات العالمية، فمؤشر دافوس يضع الجزائر العاصمة في المراتب الأخيرة عالميا من حيث التهيئة الإقليمية والبنى التحتية والمرافق العمومية، وبالعودة لتقرير ممارسة الأعمال doing business فيصنف الجزائر في المرتبة 147 عالميا من حيث مرونة المنظومة القانونية والبيئية والاقتصادية وغيرها في تسهيل عملية تدفق الاستثمارت الأجنبية المباشرة.

وهذا الأمر ألقى بضلاله على معطيات الخارج في وقت أصبح جواز السفر الجزائري في المرتبة 88 من أصل 104 في آخر إحصائيات مؤشر قوة جواز السفر، وهذا الأمر ليس بغريب لأن الأرقام لا تنطق بالكذب، فأرقام الجزائر المسجلة في واقع المواطن وليس في دفاتر الإدارة تفسر هي الأخرى الأرقام المسجلة في صعيد الهجرة الشرعية وغير الشرعية لبلدان أحسنت الاستثمار في رأس المال البشري الذي سيجلب في النهاية ما يسمى بترشيد النفقات.