الإنسان الخبزي

مدونات - رجل

يعرف الوضع القيمي للإنسان المعاصر تحولاً جذرياً زاد من سوء حالته الأخلاقية التي أصابها الفقر المدقع جراء عيشه في وسط غير آمن قيمياً، وفي ظل تخليه السهل عن المبادئ الإنسانية الشريفة مقابل حصوله على ما هو مادي كيفما كانت الوسيلة المتبعة لنيل ما يبتغيه، ورغم ذلك يبقى المال حاجة مهمة ومطلوبة عند الجميع ولا علاقة لها بالغنى والفقر، لكن النظرة الخاطئة إلى المال ونهج كيفية غير سوية لتلبية الحاجة إليه لمما أسهم بشكل كبير في ظهور صنف بشري يمكن نعته بالإنسان الخبزي الذي يحمل هماً واحداً هو سد رمق الجوع المادي، فلا يهنأ له عيش ولا يهدأ له بال إلا حين يحصل على ما يريده ويحتاجه مادياً ولو أدى به ذلك إلى هضم حقوق الآخرين والاعتداء عليها، لهذا لا تجد أية فواصل حقيقية بين الخير والشر عنده؛ بعبارة أخرى لا يعتبر الشر شراً إلا ما يضر مصالحه المادية والخير عنده محصور فيما يحقق له الربح المادي.

وبعيدا عن التسطيح المخل سأقوم بتناول هذا الموضوع بطريقة استقرائية لمجموعة من التصرفات التي يقوم بها الإنسان الخبزي؛ كمحاولة لعرض طريقة تفكيره أي الوقوف عند أهم مرتكزات بنيته الفكرية. ولبيان حجم الانحراف الحاصل عند الإنسان الخبزي ينبغي العمل على حل عقدة التساؤل التالي:

 الإنسان الخبزي في تعامله مع الجنس البشري يتصرف وفق هذا المنطق: "لي عندك مصلحة أنت أغلى الناس عندي، ليس لي عندك أي غرض نفعي إذن وجودك كعدمك".

ما هي أبرز ملامح الاعتقادات الخاطئة والسلوكيات المنحرفة لدى الإنسان الخبزي؟
ولَّدت لنا الحياة المادية القائمة حالياً إنساناً يحمل نزعة برغماتية ترمي به إلى إهدار القيم الأخلاقية بسهولة متناهية بتجاهل كل ما يمكن أن يساعده على نهج السلوك السوي، ولا يشعر صاحب هذه النزعة بالإشباع من جشعه المادي، لأن الجوع المادي أعمى بصيرته ودهس كل ما له حمولة أخلاقية، فكلما أشبع شهوته ازداد جوعاً وتشدد أكثر في عبادته للمادة، ومظاهر هذا التعبد بارزة بشكل فاضح عنده لأنها تدفعه إلى حصر نظره في هذه الحياة في زاوية ضيقة جداً، فاللاهث وراء المنفعة المادية لا يشعر أنه حصل على الاكتفاء مهما حقق لأنه يربط ذلك بحدوث الكمال المادي الذي يستحيل وقوعه في أرض الواقع، ولهذا لا يعرف للسكينة النفسية طعماً في حياته.

ولو كان الإنسان الخبزي حاملا للمبادئ ومقتنعاً بها لما انشغل عن الأمور الأخلاقية وولى وجهه صوب شؤون ارتزاقه فقط، فالإنسان السوي لا يمكن له أن يتجاوز القيم الأخلاقية التي هي بمثابة جدار مناعي له بغية الحصول على اللذات المادية الزائلة. وكلما ظهرت للإنسان الخبزي منفعة مادية إلا وزادت رغبته في نيلها بشدة وبكل ما أمكن من الطرق، وإن أفقده ذلك مصداقية مواقفه، ومن المفترض أن تكون مصداقية الإنسان هي أول ما يحافظ عليه المرء إرضاءً لربه وكسباً لثقة الآخرين، لكن العكس هو الحاصل عند الإنسان الخبزي تماماً، فلا يهمه سوى الحصول على ما ظهر له من منفعة شخصية، كما أن تفكيره يخضعه لتقييمات مصلحية مجردة من الأخلاق، والرغبة مرتبطة عنده بالمادة، فكلما ابتعدت عنه قلت رغبته فيها وكلما اقتربت منه زاد انجذابه لها، وحينها يسهل جداً قياس تصرفاته بميزان المواقف الكاشفة لحقيقة أي إنسان كيفما كان.

وبهذا كله أصبحت العلاقات الإنسانية مبنية على أسس هشة في زمن سادت فيه الأنانية والمصالح الشخصية، فتجد بذلك الإنسان الخبزي لا يحوم إلا حول من لديه المال والجاه والمنصب، وعمن انعدم المال ذهب وعمن زال الجاه رحل وعمن غاب المنصب طار.

ومن هنا يكمن إدراك أن الإنسان الخبزي في تعامله مع الجنس البشري يتصرف وفق هذا المنطق: "لي عندك مصلحة أنت أغلى الناس عندي، ليس لي عندك أي غرض نفعي إذن وجودك كعدمك، وعندما تنتهي المنفعة منك ينتهي معك كل شيء فجأة"، لأنه وببساطة يجري وراء النزوة اللحظية واللذة الفورية والمقابل المادي العاجل ولا يهمه ما يعقب ذلك من تبعات سواء الدنيوية أو الأخروية، وملء الدماغ بهذه الأفكار المادية يساهم في خمول الإنسان وتكاسله عن البذل والعطاء.

إن نظرة الإنسان الخبزي للحياة قائمة على أساس واحد وهو تحقيق المنفعة المادية فقط أي أن بذل الجهد الذهني عنده مركز ومكثف ودائم في اتجاه واحد، وهذه النظرة المادية للحياة تجعل الإنسان يعيش بلا قيم ومبادئ؛ أي أن حياته تصبح شبيهة بالتي تعيشها البهائم، فما قيمة أن يكون عطاؤك مرهون بدوافع نفعية أي بمقابل مادي؟ بمعنى أن الغاية المادية هي التي تحكم تصرفاته وتحدد مواقفه من منطلق الاستفادة المادية، وباختصار الحياة عنده مقرونة بتحصيل المال فقط.

ويمكن إجمال أهم ما تحمله البنية الفكرية للإنسان الخبزي فيما يلي:
– يمضي في طريق طمست منه اللوحات التشويرية والإرشادية التي من شأنها أن تبرز أهم المعالم المبادئية والأخلاقية، لأن هدفه مبني على اعتقاد واحد يتمثل في تحقيق المنفعة المادية بدون اكتراث لما أُستعمل في ذلك.
– يتبع هواه وشهواته في كل شيء لإشباع نهمه الغرائزي مع غياب حضور أية سلطة فاضلة تنير تفكيره وتوجه تصرفاته لنهج سلوك قويم بعيداً عن كل ما يحدث من انسلاخ أخلاقي واستلاب قيمي في المجتمعات المعاصرة.

أيها الإنسان الخبزي حاول أن تستيقظ من غيبوبتك، فحياتك الحقيقية تبدأ عندما تستفيق لا عندما تولد، انهض فصوت هذا الجرس الذي يدق الآن قادر على أن يجعلك تبدأ في إعادة حساباتك لتنعم بالسعادة عندما تصبح على قيد الحياة.

– يفكر بشكل معلول لأنه أفقه الفكري مقولب ومحصور في المادة، وعقله عميَ عن غير ذلك؛ كأنه يبصر بعين لا تنظر إلا للمادة.
– ينغمس في حب المادة حد الغرق إلى أن يصير بحبه لها عبداً مملوكاً خاضعاً لها؛ لا يفكر في سواها ولا يهتم إلا بها ولا يعمل إلا لأجلها.
– ينظر إلى بني جنسه بمنظور أحادي محدود جداً وقاصر لدرجة أنه لا يتعامل مع غيره بحس إنساني لأنه معدوم منه ومعاملاته رهينة بما هو مادي لا أكثر.
– تقوم حياته على الانتهازية عملاً بمقولة: "نفسي نفسي"، وإن ادّعى النضال من أجل استرجاع الحقوق المنتهكة ومكافحة الفساد سرعان ما تثبت الأيام عكس ذلك فتفضحه مواقفه وتظهر حقيقته الخبزية.

أيها الإنسان الخبزي تمعن في هذه الأسطر جيداً وحاول أن تستيقظ من غيبوبتك، فحياتك الحقيقية تبدأ عندما تستفيق لا عندما تولد، انهض فصوت هذا الجرس الذي يدق الآن قادر على أن يجعلك تبدأ في إعادة حساباتك لتنعم بالسعادة عندما تصبح على قيد الحياة بفعل التحليق بروحك في سماء العطاء غير المشروط.

وفي الختام أتمنى أن أكون من الموفقين في فتح باب التغيير أمام الإنسان الخبزي وأمشي على أمل أن تنور البصائر وتوجه بشكل إيجابي، فبقدر ما ينبه إلى الخلل تسهل عملية تعديله وتفادي كارثية عواقبه برجوع السكة لطريقها الصحيح، فخلق الوعي بمنابع الخلل هو الضامن الوحيد لحدوث الاستجابة القوية للإصلاح.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان