شعار قسم مدونات

أصدقاء لا يخطئون

blogs - ناس في الشارع
يقولون: إن العقول القوية تناقش الأفكار،
والعقول المتوسطة تناقش الأفعال،
والعقول الضعيفة تناقش الأشخاص.


أذكر أن أحدهم قال لي يوما: أنا مصدوم في فلان الفلاني (داعية مصري شهير)، فقلت له: لماذا؟ قال: رأيته ينهر سائقه ويوبخه توبيخا شديدا. قلت: ثم ماذا؟ قال: لا شيء، إن هذا الفعل فقط يدل على أن هذا الشخص منافق، إذ كيف يخرج على الناس في التلفاز يحدثهم عن التسامح والرأفة والرحمة ثم هو بعد ذلك يمارس هذا السلوك المناقض لأقواله وأفكاره وابتسامته الجميلة التي يتزين بها أمام الكاميرات؟ إنني مصدوم حقا وقد فقدت ثقتي بهذا الداعية تماما، وأخشى أن تستمر الرموز في التهاوي والأقنعة في التساقط حتى أفقد ثقتي بكل المشايخ والدعاة والعلماء عندما أكتشفهم على حقيقتهم وأعلم أنهم جميعا يظهرون غير ما يبطنون!

انتهى الحوار ومرت على هذه الواقعة سنوات ثم كنت في معهد علمي ألقي محاضرة عن العدالة واحترام القانون وضربت مثالا بالكيان الصهيوني المحتل لأرضنا في فلسطين وكيف أنهم من الأمم التي تطبق القانون على جميع سكانها كبارا وصغارا، حتى إن رئيس وزرائهم السابق إيهود أولمرت قد اضطر إلى الاستقالة من منصبه ومثل أمام القضاء بل وتمت إدانته وحُكم بسجنه ودخل السجن بالفعل بسبب ثبوت تلقيه لرشوة مالية أثناء توليه للمنصب، بل وحتى أرئيل شارون نفسه فقد تم الضغط عليه حين كان وزيرا للدفاع حتى استقال من منصبه سنة 1983م ولم يتول بعد ذلك وزارة الدفاع طوال حياته إلى أن تم انتخابه رئيسا للوزراء عام 2001، أما وزارة الدفاع فلم يتولها أبدا بسبب اتهام المحكمة الإسرائيلية له بتسهيله قيام متطرفين لبنانيين بارتكاب مذبحة مخيم صبرا وشاتيلا، وقد تشكلت هذه المحكمة بسبب ضغوط المعارضة الإسرائيلية للمذبحة التي قتل فيها عدد من الفلسطينيين يتراوح بين 750 و 3000 قتيل.

يحكي أحمد الشقيري أن أحد الناس أرسل له رسالة يوما يقول له فيها: لقت رأيتك في مطار الرياض غير مبتسم، أين الدعوة إلى حسن الخلق؟ ما هذا النفاق أمام الكاميرات؟ أنا مصدوم فيك! كأن هذا المرسل يظن البسمة لا تفارق وجه الشقيري ولو كان غاضبا أو مهموما أو نائما أو حتى يجري عملية جراحية.

والمفاجأة أن شارون وجيش الاحتلال لم يشاركوا في هذا القتل، إنما كان دورهم هو حصار المخيم حتى يقوم المتطرفون اللبنانيون بإنهاء عمليات القتل لهؤلاء الفلسطينيين العُزل، ومع ذلك لم يغفر الرأي العام للجيش الإسرائيلي قيامه بهذا الدور الوضيع، وضغطت المعارضة حتى استقال وزير الدفاع فقط لأنهم رأوا أنها عملية غير مبررة عسكريا، ولم يقل لهم أحد إن إسرائيل تحارب الإرهاب، أو قال آخر هذه الكلمة الخبيثة التي لم يقلها عاقل أنه "عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا تحدثني عن حقوق الإنسان"، بل على العكس من ذلك رأت المعارضة الإسرائيلية أن من حقها الفهم والاعتراض على ما حدث وأن تطالب بأن تكون العمليات العسكرية واضحة الهدف ومبررة للرأي العام، وأن ما لا يمكن تبريره للشعب فليس من حق الحكومة أن تقوم به، وقد وافقت الحكومةُ رأي المعارضة في هذا المسألة تقريرا لمبدأ الديموقراطية الذي قامت عليه دولة إسرائيل، واستقال شارون من الوزارة.

قلت هذا الكلام في المحاضرة وأضفت إليه إن تل أبيب ربما تكون من أكثر عواصم المنطقة رعاية للنظام والجمال واحترام قواعد المرور، ولم أتم كلامي حتى وجدت كثيرا من الأفاضل الحاضرين يثورون معترضين بقولهم: كيف تقول هذا عن إسرائيل دولة الإجرام وقتل الأطفال؟ هل تدعونا لحبهم وتطبيع العلاقات معهم؟ وهل تقول إن اليهود أفضل من المسلمين؟ وغير ذلك من الأمور التي لم تخطر ببالي على الإطلاق!

من خلال هذين الموقفين وغيرهما تأكدت عندي قناعة مفادها أن كثيرا منا يرى الأحباب بلا أخطاء، ويرى الأعداء بلا حسنات، ولا يستطيع تصور غير هذا عمليا، حتى ولو ردد الحديث النبوي "كل بن آدم خطاء" وحتى مع معرفته النظرية بأن البشر غير معصومين، ولكنه مع ذلك يُصدم صدمة شديدة حين يرى خطيئة أو جرما قام به أحد الصالحين أو يرى طاعة أو فضيلة قام بها أحد المجرمين.

بل وربما يُعجب أحدهم بأحد الطغاة المجرمين حين رآه بشكل شخصي شديد البر بأمه وعظيم الحرص عليها، ولم ينتبه هذا المعجب أن البار بأمه هذا يعيث في الأرض فسادا وكم من أمهات بكت عيونهن بما فعله هذا المجرم بأبنائهن!

ما من مجرم إلا وفيه بقية من خير، حتى فرعون وهامان وقارون وكل مجرمي التاريخ والواقع فإن فيهم من الخير بقية، وحتى الصالحون المستقيمون الأنقياء الأطهار فإن فيهم من الشر بقية، ومن غلب الخيرُ فيه على الشر فهو من أهل الخير برغم ما فيه من الشر.

ومما يُسهم في هذه النظرة ما نراه في الصورة التقليدية لكفار قريش في الدراما السينيمائية والتلفزيونية فالكفار يجب أن تكون ثيابهم سوداء ووجوههم عابسة وحواجبهم غليظة وصوتهم أجش وفي أيديهم كؤوس الخمر ومن حولهم النساء العاريات يتمايلن راقصات، أما المؤمنون فثيابهم بيضاء ووجوههم مبتسمة وحواجبهم رقيقة مصففة جميلة وصوتهم هادئ خفيض لا يكاد يُسمع، وهذا سخف وسذاجة شديدة فالصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة كانوا كفارا قبل أن يسلموا، ولم يكن من شروط الإسلام أن تلجأ إلى دكتور تجميل وخبير أزياء ومصفف شعر ليعدلوا لك الديكور قبل أن تدخل في الإسلام، بل أسلموا على نفس هيئتهم الظاهرة التي كانوا عليها في الجاهلية وتمم الإسلام ما كان حاصلا فيهم من مكارم الأخلاق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يحكي أحمد الشقيري (الإعلامي الشهير) أن أحد الناس أرسل له رسالة يوما يقول له فيها: لقت رأيتك في مطار الرياض غير مبتسم، أين الدعوة إلى حسن الخلق؟ ما هذا النفاق أمام الكاميرات؟ أنا مصدوم فيك! كأن هذا المرسل يظن البسمة لا تفارق وجه الشقيري ولو كان غاضبا أو مهموما أو نائما أو حتى يجري عملية جراحية، وهذا الأمر على سخافته يظنه كثير من الناس، فلا يكاد يتخيل أو يصدق أن بعضا من الدعاة والعلماء والمشاهير من الصالحين فضلا عن صحابة النبي الأمين قد يقعون في الذنوب والمعاصي، وحتى الخطايا والجرائم، ومن الصحابة رضوان الله عليهم جميعا من سرق وزنى وشرب الخمر ثم تابوا وتاب الله عليهم ثم عصوا ثم تابوا وتستمر الحياة.

ولا أنسى مشهد الضابط في فيلم البريء – للمخرج عاطف الطيب الذي أرشح كل أفلامه تقريبا للمشاهدة- وهو يلاعب الأطفال الصغار في عيد ميلاد ابنته ثم في اليوم التالي مباشرة يقوم بتعذيب أحد السجناء بربطه في الحصان وجره على الأرض حتى يكاد يموت، ولم يكن هذا تناقضا أو انفصاما خاصا بهذا الضابط ولكنها النفس البشرية المعقدة التي تحتوي الأمرين معا خيرا وشرا، وهل تظنون أن أعتى مجرمي الدنيا يستمتع بقتل أمه وأبيه وأبناءه وأحبابه؟ أو أنه يشرب الدماء في كاسات كل صباح بدلا من الخمر والعصير، وهل تظنون الأشرار لهم شكل مميز دون الناس أو أن لهم ذيلا أو قرونا؟ وهل تظنون أن هناك أحدا يعيش حياته كلها في مقام القرب من الله والأنس به فلا تخطر بباله المعصية قط ولا يغفل عن الطاعة قط ولا يترك ذكر الله تعالى أبدا؟

إن هذا كله غير ممكن وغير واقعي وغير حاصل وغير ممكن الحصول، وما من طائع إلا ويعصي، وما من مجرم إلا وفيه بقية من خير، حتى فرعون وهامان وقارون وكل مجرمي التاريخ والواقع فإن فيهم من الخير بقية، وحتى الصالحون المستقيمون الأنقياء الأطهار فإن فيهم من الشر بقية، ومن غلب الخيرُ فيه على الشر فهو من أهل الخير برغم ما فيه من الشر، ومن غلب الشرُ فيه على الخير فهم من أهل الشر برغم ما فيه من الخير، وتفاوت الناس في هذا بقدر ما يتحقق في كل إنسان من الخير، أما التخلص من الخير بالكلية أو التخلص من الشر تماما فلا يستطيعه إنسان أبدا إلا الأنبياء.

أيها الناس كفانا صدمات متكررة وتوقعات غير منطقية وتصورات نمطية وأفكار ساذجة وخيالات واسعة. أيها الناس عليكم بقول القائل: أحبب حبيبك هونا ما. عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما. عسى أن يكون حبيبك يوما ما.

أيها الناس
لا يوجد في الدنيا إنسان صالح في كل أمره وليس فيه من الشر شيء، كما لا يوجد في الدنيا إنسان مجرم في كل أمره ليس فيه من الخير شيء، أما الأول فمن الملائكة وأما الثاني فمن الشياطين وليس في البشر ملاك أو شيطان.

أيها الناس
اتقوا الله في أنفسكم وفي من تحبون ولا تسرفوا في المحبة، فوالله ما عرفت أحدا أسرف في المحبة إلا انقلبت محبته عداوة.

أيها الناس
ليس من أحسن في شيء يحسن في كل شيء، ولا من يسيء في شيء يسيء في كل شيء، ولكن الإنصاف عزيز.

أيها الناس
الرحمة الرحمة والعقل العقل والحكمة الحكمة.

أيها الناس
كفانا صدمات متكررة وتوقعات غير منطقية وتصورات نمطية وأفكار ساذجة وخيالات واسعة.

أيها الناس
عليكم بقول القائل:
أحبب حبيبك هونا ما *** عسى أن يكون بغيضك يوما ما
وأبغض بغيضك هونا ما *** عسى أن يكون حبيبك يوما ما

أيها الناس
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.