الوعي الذاتي بين العدم واللانهاية

إذا أردنا أن نفكِّر في وعينا الذاتي كشيء له بداية في الزمان، فمن أين يجب علينا أن نبدأ؟ هل نبدأ من اللحظة الأولى التي أصبحنا فيها على وعي بأنفسنا؟ أم منذ أن جئنا إلى الحياة؟ أم من قبل أن نأتي إلى الحياة؟ ولكن لنتساءل قبل ذلك عن ماهية الوعي الذاتي نفسه. هل للوعي الذاتي ماهية موضوعية محددة تجعل من تجربة الوعي بالذات هي التجربة نفسها عند كل الناس الذين يملكون وعيا بأنفسهم، بحيث إذا كنت أنا واعٍ بذاتي أكون في وضع مشابه لكل شخص آخر على وعي بذاته، أم أن تجربة الوعي الذاتي ليس لها ماهية محددة وأن كل إنسان له تجربة مختلفة جوهريا عن الأشخاص الآخرين؟

بعبارة أخرى، هل يملك الوعي الذاتي كوضع أو كحالة بُعدا واقعيا موضوعيا لا يتوقف على الفرد المحدد المتعيِّن الذي يعيش هذه الحالة، أم أن كل حالة وعي ذاتي هي حالة فريدة من نوعها لا يجمعها أي شيء جوهري مع حالات أُخرى تحمل نفس الاسم؟ يجب ألا نخلط هنا بين هذه المسألة ومسألة الذاتية والموضوعية في المعرفة. فالوعي الذاتي من حيث هو معرفة بالذات هو بكل تأكيد أمرٌ ذاتي، إذ لا يمكن لأحد أن يطلع على المحتوى المعرفي لتجربة الوعي بالذات الخاصة بشخص آخر. ولكنني أتكلم هنا، لا عن المحتوى المعرفي لتجربة الوعي بالذات، وإنما عن ماهيتها أو طبيعتها.

قد لا نشعر بأننا جزء لا يتجزأ من هذا العالم، بل جزء يتجزأ منه خصوصا عندما نمتلك وعيا قويا بالذات، نشعر بالوعي نفسه كشيء غريب ومتناقض مع العالم. وحتى حينما ينزع الانسان نحو التوحُّد مع الوجود فإنه يفعل ذلك من أجل التوحُّد مع وعي أسمى ومطلق الكمال هو الله.

فإذا تخيلتنا تجربة الوعي بالذات ككأس، فإن الذي بداخل هذه الكأس هو المحتوى المعرفي الفكري والشعوري، هو محتوى ذاتي يخص صاحب التجربة. هذه هي الذاتية بمعناها المعرفي. أنا لا أتكلم عما بداخل الكأس، أي ما يختبره الإنسان حين يكون في هذا الوضع، وإنما عن الوضع نفسه، عن الكأس. هل تملك هذه الكأس ماهية محددة مستقلة عما بداخلها، مستقلة عن المحتوى المعرفي، ومشتركة بين الناس، أم أن كل تجربة وعي ذاتي هي كأس خاصة فريدة ومختلفة عن الكؤوس الأُخرى شكلا ومضمونا؟ أو لنفترض أننا قمنا بمسح جميع الأفكار الموجودة عند البشر، جميع الذكريات والخبرات المختلفة، فهل ستكون حينها حالات الوعي بالذات لديهم جميعا متطابقة؟- إذا أمكن أن توجد حالات وعي بعد ذلك- إذا لم تكن متطابقة فإن هذا يعني أن الوعي بالذات ليس له ماهية موضوعية واقعية.

يمكن لأحد أن يجادل بأنه ليس هناك كأس أساسا، وأن كل ما هناك هو الوعي بالذات كشيء قائم بنفسه، وأن الأفكار هي الكأس والمحتوى في الوقت نفسه. وهو بذلك يقول بعبارة أخرى أن الوعي الذاتي ليس حدثا يقع في الزمان. وذلك لأنه إذا تميز كحدث في الزمان فقد أصبحت له تحديدات وخصائص ككل الأحداث التي تقع في الزمان، أي أصبحت له ماهية موضوعية. يكون قد أصبح كأسا لها داخل وخارج، أو شكل ومحتوى، ونحن نتساءل عن الشكل- إن وُجد- وما الذي يكون قد حدث في تلك اللحظة التي نعتقد انها لحظة الوعي بالذات.

نعود الآن لأسئلة البداية. هل يمكننا التفكير في الوعي الذاتي كشيء، أو كحدث له بداية في الزمان؟
قد لا تكون هناك لحظة محددة هي لحظة بداية الوعي بالذات بالنسبة للإنسان باعتبار أنه يتشكل بنحو تدريجي مستمر، وأنه ليس هناك حد فاصل بين ما قبل وما بعد الوعي. وفي هذه الحالة فإن الكلام عن لحظة بداية الوعي في الزمان قد يقودنا ليس إلى طفولتنا ولا لحظة مجيئنا إلى الحياة وإنما إلى الوراء أبعد من ذلك بكثير. فالكيفية التي نعي بها أنفسنا قد تتوقف على تكويننا الجيني والذي يضرب بجذوره إلى الوراء ربما إلى سلفنا الأبعد والذي يجمعنا مع كل أشكال الحياة بما فيها الكائنات الأكثر بدائية والنباتات أيضا.

إذا ذهبنا في هذا الاتجاه في التفكير فإنه سيقودنا في النهاية إلى أنه ليس هناك مضمون للوعي وأن ما يُسمى بالتجربة الواعية أو الوعي بالذات هو ليس شيئا له ماهية موضوعية مثل بقية أشياء العالم المادية وحسب، وإنما أيضا هو شيء -ككل الأشياء- بلا مضمون. أي أننا في النهاية سنحصل على كأس فارغة هي كل شيء. الذاتية المعرفية هنا ستكون عبارة عن شكل من أشكال التعقيد المادي، بحيث تكون ذاتية الانسان هي درجة معقدة من ذاتية الأشجار مثلا، وأن ما يبدو أنه وعي من الإنسان بنفسه لا يختلف نوعيا عما يُمكن تسميته وعي النباتات، أو حتى وعي الذرات الذاتي.

ما قيمة كل هذه الأسئلة إذا كان الوعي بالفعل هو ليس شيئا مفارقا للعالم. إن السؤال نفسه يغدو حينها شيئا، حدثا عفويا، فقاعة أخرى من فقاعات زبد الواقع. فلكي يمتلك السؤال قيمة ومعنى، فهو بحاجة لأن يكون متجذراً في الوجود وفي اللانهاية.

ولكننا -على أي حال- قد لا نشعر بأننا جزء لا يتجزأ من هذا العالم، بل جزء يتجزأ منه خصوصا عندما نمتلك وعيا قويا بالذات، نشعر بالوعي نفسه كشيء غريب ومتناقض مع العالم. وحتى حينما ينزع الإنسان نحو التوحُّد مع الوجود فإنه يفعل ذلك من أجل التوحُّد مع وعي أسمى ومطلق الكمال هو الله، وهو -كما يقضي الايمان-ليس شيئا، ويتعالى على الماهية والتحديد. هكذا يرتبط الوعي في الرؤية الدينية بالمطلق واللامتناهي غير القابل للتحديد ماهويا وزمانيا.

ولا أحد بالطبع يريد التوحُّد مع المادة العمياء، حتى لو فقد البعض إنسانيتهم معنويا، فإنهم بحكم إكراه التكوين يظلون يحتفظون بكينونتهم الخاصة المتميزة عن الأشياء، وحتى أولئك الذين ينهون حياتهم بالموت انتحارا، والذي قد يبدو ظاهريا كما لو أنه عودة للذوبان من جديد في الكل، إلا أنه في الواقع أبعد ما يكون عن ذلك، بل هو فرار الذات من العالم بحثا عن الخلاص الأكثر فردية وذاتية. فإذا كان الوعي هو جزء لا يتجزأ نسيج من العالم، فكيف نفسِّر ذلك التعبير الصارخ عن التناقض مع العالم والمتمثل في الانتحار، هل هو أيضا شيء بلا معنى وبلا مضمون، مجرد حدث بلا أي دلالة متناقضة مع العالم، هل هو مجرد فقاعة من فقاعات زبد الواقع، مجرد سلوك عفوي للمادة؟

وفي الواقع فإن الانتحار على عكس ما يبدو، فهو قد يكون متعلقا بالخوف بأكثر مما هو متعلق بالشجاعة، وبشكل ما بالرغبة في الحياة وليس في الموت. فهو في النهاية هروب من الآلام والمعاناة وبحث عن الراحة والرضى، أي بحثٌ عن نفس الغاية التي نبحث عنها في الحياة.  وإذا أمكن لنا أن نفسِّر التمسك بالحياة كدلالة على انسجام الوعي مع نسيج العالم، فكيف نفسِّر الخوف من الموت. لماذا نعتقد بأننا نختفي من الوجود حين نموت إذا كُنا نحن أصلا جزء لا يتجزأ منه؟ كيف تخاف قطرة الماء من الغرق في البحر!

ولكن ما قيمة كل هذه الأسئلة إذا كان الوعي بالفعل هو ليس شيئا مفارقا للعالم. إن السؤال نفسه يغدو حينها شيئا، حدثا عفويا، فقاعة أخرى من فقاعات زبد الواقع. فلكي يمتلك السؤال قيمة ومعنى، فهو بحاجة لأن يكون متجذراً في الوجود وفي اللانهاية، أي يجب أن يكون الوعي الإنساني من روح الله.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة