إلا خمسة

وقفتْ أمام الدفتر، لتُوقعَ انصرافها وكانتْ الساعة تُشيرُ إلى الرابعة عصرًا، الرابعة إلا خمسة، قالتْ لأناملها "لن تنصرفي قبل الرابعة وإن كنتِ في عجالةٍ من أمرك؛ فأشهدي القلم والدفتر بأنكِ انصرفتِ عند الرابعة إلا خمسةلا تهضمي الخمسة حقها، فالخمسة التي تستهينينَ بها ستضمنُ لكِ نزولاً كريمًا أسفلَ المكتب، ستضعكِ في سيارة الأجرة، وسيباشرُ السائقُ قيادتكِ إلى حيثُ تشتهين؛ فالخمسةُ يا عزيزتي تُحركُ أمرًا، تُنهي قضية، تفتحُ ملفًا، الخمسةُ عندَ الإداريين المُنظمين لها هيبة وحضور، ومن يُفرط بالخمسة، يُفرطُ بما هو أكثر، الخمسة دليل أمانة، وبرهان صدقٍ، ونهجُ شرفٍ، وميثاق قوة، الخمسة تختصرُ طريق العابرين إلى النجاحِ، وتُميزُ فكرَ الغث من السمين فيما يتعلقُ بإدارة الوقت، الخمسة التي يقولُ البعض مستهزئًا  "وما الخمسة "؟! هي عقدة المنشارِ وهي الحل في الأغلب، الخمسة إن أوفيناها حقها؛ ضمنّا الكثيرَ من التجارة الرابحة، فأنجزنا وأنجزنا وتفوقنا وارتحنا!

بالخمسةِ ستعرفين المنظم من العبثي، العارف من المستهتر، بها ستكشفين اللثام عن وجوهِ البشر من حولك، ستدخلين إلى أعماقِهم من الداخل، وتقرئين ما لم تقله لكِ شفاههم، الخمسة ستُلخصُ لكِ حكايةَ مبدأ، مبدأ يقومُ على التنظيم الدقيق والأمين، بعيدًا عن العشوائيةِ التي ينتهجها كثير من السالكين! فما أكثر من أضاعوا الأمانة، ولم يلقوا أهميةً لأوقاتهم، أعطوكِ موعدًا بأن يكونوا عندكِ في تمام العاشرة، ولم يكونوا في الحقيقة إلا بعد أن شقتْ الساعة عقاربها نحو العاشرة متجاوزة إياها إلى النصف وخمسة، وحينَ تُراجعينهم يبتسمون قائلين "نصف ساعة وخمسة شيء عادي، لم نتأخر كثيرا"! مثلُ هؤلاء الذين لا يكترثون بنزاهة المواعيد، ويقللون من هيبة الخمسة دقائق، ولا يرون في تأخرهم نصف ساعة بأن هناك مشكلة، عليهم أن يُعيدوا الإعتبار لأنفسهم، قبل أن يرمموا كرامتهم التي أُهدرتْ في عيونِ الناس ومن يتعاملون معهم!

السؤال من المسؤول عن ثقافتنا العرجاء في التعاملِ مع الأوقات، لماذا نأخذُ من الإسلام اسمه فقط، لماذا لا نكون اسمًا على مسمى، فعلاً وقولاً وسلوكًا؟ الأخلاق لا تتجزأ، هي حزمة واحدة، تبدأ في نظري بتقديسِ الثانية، وإعطاء الوقت حقه.

وما يُثيرُ الحسرة في النفس، أن يلصق البعضُ استهتار السواد الأعظم منا بقيمة الوقت والمواعيد إلى عروبتنا، فنرى المستهترين يلومون بعضهم بعضا "نبقى عرب" في إشارةٍ منهم إلى أن العرب لا يُقدرون أوقاتهم، قناعة غزتْ عقولنا، حتى بتنا نجلد أنفسنا بها دون أن نتحركَ ونغير من أحوالنا وسلوكياتنا على الأرض، حالنا يقول "نعيبُ عروبتنا والعيبُ فينا، وما لعروبتنا عيبٌ سوانا "مع الاعتذار للإمام الشافعي صاحب بيت الشعر الأصلي "نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيبٌ سوانا"..

تنحصرُ مآسينا مع الوقتِ عند هذا الحد، فكثيرون تلاعبوا بغيرهم، ولعبوا على أحبالِ الأيامِ والسنين الطويلة، ولم يكترثوا بانتظارِ الناسِ لهم؛ ليوفوا بوعودهم والتزاماتهم تجاههم، هؤلاء هم من المنافقين الذين حذرنا رسولنا الأمين محمد صلى الله عليه وسلم حين قال "آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان"!

ما أبشعَ خيانتنا لوقتنا، تلك الخيانة في نظري أحقر الخيانات، لأنها أصل كل شيء، فإلى الذين ما زالوا يجهلون قيمة الزمنِ ويُحاربون الالتزام الصادق بالوعد، الوعد الذي من نماذجه أن يعدكَ إنسان كان قد استدان منك مبلغًا ماليًا أن يُعيده إليكَ في يومٍ معين؛ يأتي اليوم ويتجاهلك وكأنَ شيئًا لم يكن، الوعد الذي يطولُ فيه الوصف وتتعدد معه النماذج، فكلُ إنسانٍ لا بدّ وأن تعرضَ لشيءٍ من هذا القبيل..

السؤال من المسؤول عن ثقافتنا العرجاء في التعاملِ مع الأوقات، لماذا نأخذُ من الإسلام اسمه فقط، لماذا لا نكون اسمًا على مسمى، فعلاً وقولاً وسلوكًا؟ الأخلاق لا تتجزأ، هي حزمة واحدة، تبدأ في نظري بتقديسِ الثانية، وإعطاء الوقت حقه، فإلى الذين يرغبون برد الأمانات إلى أهلها، رُدوا أماناتكم إلى أوقاتكم أولا، وتحروا الدقةَ في مواعيدكم، وكونوا منصفين لأرواحكم، فلا شيء يُعادل جاذبية الإلتزام، الإلتزام الذي يضمنُ لكم اجتياز الصراط المستقيم بحيثُ تزول أقدامكم يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون وقد سئلتم عن أوقاتكم وأعمالكم، وأجبتم بما يُرضي ربكم وبما يضمن لكم الجنة…



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة