"لقد حوّلت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها من مشروع تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية تحت الاحتلال، مع بقاء نفس الحفنة من الأشخاص في قيادة السلطة" بهذه العبارة أوجز إدوارد سعيد حقيقة اتفاقية أوسلو، ربع قرن على اتفاقية تدمير الحلم الفلسطيني، ولو سألت فُحول السياسة الفلسطينية حول جدوى الاتفاق فلن يجد أحدهم إجابة لهذا السؤال، حتى رجال أوسلو باتوا يتبرؤون منه، آخرهم كان توفيق الطيراوي رئيس جهاز المخابرات العامة سابقا حيث أكد ثلاثاً رفضه للتنسيق الأمني.
أوسلو فات لكن ما مات
بات الحديث في أوسلو أمراً مستهلكاً للغاية وسلبياته نحياها "كدراما سوداء" في تفاصيل الحياة اليومية وعلى رأسها "الانقسام" لذا فإن التفكير في إنهاء أوسلو أصبح ضرورة مُلحة لا مفر منها لإنتاج مشروع تَحرُر وطني جامع وعليه فإن الخروج من قواعد أوسلو والتزاماته هو مفتاح الخلاص الوطني ولو أدى ذلك لحل السُلطة وانهيارها، لأن الغاية الاستراتيجية لهذا الخروج أسمى من وجود السُلطة، فلا بُد من التمرد على أوسلو والانسحاب من بوتقته على شكل مراحل دون الإعلان عن إلغائه رسميا حتى لا نحمل وزراً لا ذنب لنا فيه أمام المجتمع الدولي وأننا العقبة في طريق "دهاليز السلام".
| كلما راجعتُ تفاصيل أوسلو أصفن دون جدوى عند هذا البند" جَعل الاقتصاد الفلسطيني مقترن بالاقتصاد الإسرائيلي ثم رهن الاقتصاد الفلسطيني الذي هو صمام الأمان للدعم الدولي، ألهذا الحد وَثِقَ الفلسطينيون بالنرويج وأمريكا ورابين؟ |
دنو الأجل "السياسي" للرئيس عباس
يأتي هذا الطرح في وقتٍ توشك الحياة السياسية الفلسطينية أن تدخل منعرج هام بالنظر للتقارب الحمساوي الدحلاني وإذابة الجليد بين مصر و حماس التي نتج عنها تراجعاً ملحوظاً في وزن الرئيس عباس بحيث يُفهَم من هذه الخطوة المصرية "تهيئة المناخ لشطب الرئيس عباس من دفتر السياسية"، وبحسب مصادر من داخل حركة فتح فإن تصرفات رئيس السلطة الفلسطينية محود عباس، أصبحت عصبية في الأسابيع الأخيرة بوجهٍ خاص، بسبب إدارة ترمب التي ترفض ذكر الكلمتين "دولة فلسطينية"، وطريقة تعاطي مصر معه وحقيقة استضافتها لقاءات مصالحة بين خصمه اللدود محمد دحلان ووفد من حماس بقيادة يحيى سنوار، ولجملة من الأسباب الموضوعية أهمها الفشل المُتجدد في "حل الدولتين" فإن حدوث تحول سياسي ما هو إلا مسألة وقت، وهي فرصة علينا أن نستثمرها لنُمرر مشروع دفن أوسلو.
كيف ندفن "أوسلو"؟
– إنهاء هيمنة فتح على السُلطة وبالتالي بلورة مشروع حقيقي يجمع الكل الفلسطيني مع ضرورة إبعاد الإسلاميين وفي مقدمتهم حركة حماس عن الحكم والواجهة القيادية لضمان عدم تكرار الصدام الخشن مع المجتمع الدولي 2006/2007 ومن ثم إجهاض حكم حماس، هكذا نحفظ هامش واسع للمناورة مع الاحتلال والداعمين اقتصاديا حتى إنهاء أوسلو علنا.
– تشكيل حكومة تكنوقراط تبدأ بفرملة العلاقة مع الاحتلال خطوة بخطوة للتحضير لحالة الطلاق السياسي من أوسلو.
– الشخصية الأنسب لقيادة هذه المرحلة الحرجة "مصطفى الرغوثي" فهو يحظى بقبول شعبي إذا ما عزلنا فتح وحماس من جهة وعلى الصعيد الخارجي ليس بالإنسان الراديكالي كحماس في عيون الرباعية الدولية، زد لذلك أن برنامجه لا بالإذعان التام كما الرئيس عباس ولا يقرع طبول الحرب كغزة فنطلب المستطاع تدريجياً حتى نُطاع إقليمياً، التدرج مهم جداً بعد رداءة الأداء السياسي الفلسطيني الحالي فالرئيس عباس لم يستيقظ من نومه فجأة ليقول لنا التنسيق الأمني مُقدس وإنما حصاد سنوات.
| مستقبلنا يتطلب حواراً سياسياً وإجماعاً لا حالة تفرد مكررة تقامر بنا مجددا، هذه التجربة خلقت حالة عالية من الوعي والإدراك لديكم أبناء شعبي، فاختاروا جيدا ولا تخذلوا أنفسكم وأقصاكم مرة أخرى. |
هاجس الفلسطينيين
المُعضلة الكبرى لنجاح هذا الطرح وأيُ طرح يسعى للتخلص من الاحتلال تتمثل في وقف التمويل الدولي للسُلطة عند الانسحاب من نفق أوسلو مما يعني "غزة ثانية في الضفة الغربية"، فكلما راجعتُ تفاصيل أوسلو أصفن دون جدوى عند هذا البند" جَعل الاقتصاد الفلسطيني مقترن بالاقتصاد الإسرائيلي ثم رهن الاقتصاد الفلسطيني الذي هو صمام الأمان للدعم الدولي، ألهذا الحد وَثِقَ الفلسطينيون بالنرويج وأمريكا ورابين؟ أضحت هذه المُعضلة عائقاً حقيقياً لأي مشروع تحويل سياسي، لا سيما بعد صناعة نموذجاً للفقر والبطالة في غزة تُرهَبُ به الضفة الغربية.
اختبارٌ مُكرر والمسؤوليةُ ذاتها
يقف الشعب الفلسطيني على أبواب مرحلةٍ مبهمة في وقتٍ تتباين فيه السياسة الإقليمية كل صباح ويستبدل الخصوم حلفائهم كل يوم كما يبدل الرجل ثيابه، فإن النُخب الفلسطينية اليوم أمام تحدٍ كبير لإنجاح هذا الطرح أو غيره، ففرصة نجاح هذا الطرح قائمة على دعامتين: الأولى الشعب وصبره على محاربته في لقمة عيشه قبل أرضه، الثانية القيادة السياسية واستثمارها لهذا الصبر لبلورة موقف يُنفس الشعب ماديا ويلزم الاحتلال بنتائج حل السلطة، من ثم يتراجع خطوة إلى الخلف في العلاقة مع الاحتلال ضمن عملية الهدم الموضعي دون أي جلبة، "ضربة هنا و ضربة هناك".
إن التجربة الفلسطينية رغم طولها أفضت إلى معادلة واحدة، مفادها أن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تُسترد إلا بالمقاومة، فما أحوجنا اليوم يا أبناء فلسطين إلى أن نتفهم الحقيقة الواضحة منذ عقود، وأخُص بالذكر "حاضنة عباس" أين السلام؟ فمستقبلنا يتطلب حواراً سياسياً وإجماعاً لا حالة تفرد مكررة تقامر بنا مجددا، هذه التجربة خلقت حالة عالية من الوعي والإدراك لديكم أبناء شعبي، فاختاروا جيدا ولا تخذلوا أنفسكم وأقصاكم مرة أخرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

