شعار قسم مدونات

من ذاكرة الحرب الأخيرة على غزة!

blogs - انفجار في غزة
في حياة كل قائد وحياة كل أمة وشعب أيام مفصلية لا تُنسى، تحفر ذاتها على جدران عقولنا وبين تلافيفه، تروح بنا الدنيا وتأتي وتبقى مثل هذه الأيام خالدة ما بقينا، اليوم نمسح للمرة الثالثة غبار الأيام الذي يحاول عبثًا أن يطمس صورة الحرب الأخيرة على غزة، كانت بمسماهم الجرف الصامد، فأرادها الله من فوق سبع سماوات أن تكون جرفًا هارًا عليهم وبخفيف السّلاح وبقلب شعب صابر على لأواء الحياة والضراء وساعة البأس، فقدم كل ما بمقدوره أن يقدم في سبيل أن يحافظ على نفسه من الاقتلاع فكنّا نموت كالأشجار واقفين، أيام لها وقعها في ذاكرة كل غزّاوي شهد الملحمة وعاش لمحة من القيامة قبل أن تأتي!
اجمعوا أوراقكن، شهاداتكن، ذهبكن، أموالكن، ولا تنسين أيتها الفتيات غطاء الصلاة حتى لا تفضحنا الحرب، فأي لحظة فيها قد تكون الكاشفة، "هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا"، ما أصعبها من أيام، الكل فيها مستهدف، ولا أمان لأحد، الكل ينتظر حتفه، الكل يترقب تلك الساعة التي يأتيه فيها الصاروخ الذي لن يُسمع صوته!!

تخيلتهم ينطقون الشهادة مجتمعين، تخيلتهم وهم يسامحون، يودعون، ويوصون! تخيلت أمًا كان قلبها قد تفطّر وهي تنتظر هبة الله لها بعد طول عمر حتى رزقها الله مولودًا، ولما بلغ معها السعي نجت هي ومات صغيرها!

– بووووووم. 
– ايش فيه، وين هادا!! شوفو الأولاد.
– صاروخ تحذيري، صاروخ تحذيري،
– فتحوا الشبابيك، اطلعوا ع الدرج،
وبعد دقيقتين..
– بووووووم..
– وينكم ؟؟! وين أخوك! أخوووووك وينو!

كان قد غامر أخي بحياته من أجل أن يبعد السيارة عن مكان القصف، ولم نكن نعلم إن كان نجا من ضربة المنزل المقابل لنا أم لا، "زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ" وكان عليّ دون وعي أن أركض لأبحث عن الشطر الآخر، فكانت الكارثة، هدم المنزل المقابل، وغطّى الدخان المكان كله، واشتعلت النيران، وملأ الزجاج والحجارة المكان كله، وما عدت أرى شيئًا، أمعقول أنه قد قضى نحبه ؟! أم ما زال ينتظر ؟! غامرت أنا الآخر وعبرت الظلام والركام والدخان، كان يقف على بعد 20 مترًا، لكن الله سلّم، ومثل هذه الحكايات كثيرة عاشها الجميع، وعاشوا أمرّ منها وأفظع!!

ما زلت أذكر حيّ الشجاعية حين زرته في هدنة من الهدن عقب اجتياحه وتدميره، كان هناك حي، كانت هناك منازل، وكانت هناك مساجد، رحت فكانت أرضًا ملتهبة محروقة، كصفحة كتاب لكنها ليست بيضاء، بل مشبعة بالسواد والدمار والوحشية والفظاعة، عدت يومها والأسى يجتاح نفسي، عدت يومها وكتبت:

"إنّ هول المشاهد التي ترونها على شاشات التلفاز لا يصطلي بنارها إلا من عاش الواقع عيانًا، لو سمعتموهم وهم يقولون : "لو رأيت أخي مصابًا لما حملته معي" وهذا ما حصل مع بعض منهم، لا تستغربوا فهم ليسوا بالقسوة التي تظنونها، هم فقط يحاولون أن ينجوا بأنفسهم ويخرجوا سالمين، لأن من سيقف منهم ليحمل مصابًا فعلى الأغلب سيموت معه، هذا هو الواقع ..أثناء سيري في أزقة حيّ الشجاعية، أو دعوني أقول فوق ركام حيّ الشجاعية فما عاد فيه أزقة ولا شوارع، تخيلت الناس واستحضرت نداءات الاستغاثة التي كانت تخرج من قلوبهم وهم يتصلون على أيّ أحد لينقذهم ولكن ما باليد حيلة، فماذا عساهم يفعلون!

ما أصعبها من أيام، وما أقساها، اجتمع فيها كل العذاب فكنا كأننا في القيامة والبعث، وما زلنا حتى يومنا ندفع ضريبة عزة مفقودة في هذه الأمة، منا من قضى نحبه ومنا حتما من ما زال ينتظر!

تخيلتهم ينطقون الشهادة مجتمعين، تخيلتهم وهم يسامحون، يودعون، ويوصون! تخيلت أمًا كان قلبها قد تفطّر وهي تنتظر هبة الله لها بعد طول عمر حتى رزقها الله مولودًا، ولما بلغ معها السعي نجت هي ومات صغيرها! تخيلت جيرانًا يعرفون بعضهم كما يعرفون أبناءهم، كانوا يسيرون في يوم المجزرة كأن لم يروا بعضهم قط قبل ذلك! تخيلت بنيانًا دفع الناس دم قلوبهم وكلّ ما يملكون حتى يبنوه كيف أصبح، كأن طوابقه باتت كطبقات كتب بعضها فوق بعض، وذاك من عاش فترة طويلة من حياته في بيت ولد فيه وتربى فيه وتزوج فيه وأنجب ثم زوج أبناءه فيه، بيت يختزن قصص فرح، وألم، وفقد، ومفاجآت، لكنهم لم يتوقعوا يوما أن يكون هذا البيت أثرًا بعد عين!تخيلت كلّ هذه المشاهد وغيرها وعدت أقول في قرارة نفسي : إنّ أناسًا لا زالوا صامدين على أطلال بيوتهم وممتلكاتهم، يصنعون من أي شيء حياة يستحقون أن يصطفيهم الله بكرم من عنده وأن يجعلهم أهل رباط وجهاد، يحبّهم ويحبونه.

فأبشروا يا أهل غزة، أنتم في عين الله بإذنه، أنتم في حفظ الله وصونه.. لا تحزنوا على بنيانكم، فمن عمرت قيمه لن يصعب عليه إعمار بنائه، لا تحزنوا على شهدائكم.. فهم أحياء عند ربكم وكأنه تعالى يقول لهم: إذا ضاقت عليكم الأرض فمرحبًا بكم في السماء!".

ما أصعبها من أيام، وما أقساها، اجتمع فيها كل العذاب فكنا كأننا في القيامة والبعث، وما زلنا حتى يومنا ندفع ضريبة عزة مفقودة في هذه الأمة، منا من قضى نحبه ومنا حتما من ما زال ينتظر!