إلى الذين لم تُختبر قلوبهم بعد!

blogs قلب

القلبُ ذلك المكان الأعظم، مَهد كل مَخلوق ومُنطلق الحياة، فيه تسكن السرائر، ومنه تنسلخ المشاعر، لا يَسعه الكون على تناهيه، ويسع الكون بما فيه، آية الروح الأولى، ومَحط نظر الخالق -جلّ وعلا-، نافذة الإنسان للعالم الخفي -عالم المحسوسات لا الملموسات-، لُب الوجود الإنساني، لا سلطة لنا عليه؛ إذ إن الله -موجده- يقلبه كيفما شاء؛ فما سُمي القلب قلبًا إلا لكثرة تغير حاله وتبدله، فجلّ وصفه أن تَفيه العبارات، وعز مكنونه أن تُصرفه الكلمات.

ولأن القلب موضع الشعور والإيمان فهو ينطوي على كل شيء ونقيضه، فالقلب المُعبأ بالكبر محملٌ بشيء من التواضع، والآخر المُزين بالثبات مزعزعٌ بالخوف الطفيف، ومن هنا لم يكُن اختبار القلب قاصرًا على الحب، بل اختباره قائم على شقين مُتناصفين هما الحب والكره؛ فمثلما يكون وطأة الحب على القلب عسيرة، فللكره على القلب ملكة شديدة.

الحب كثرت فيه الأقاويل، وتعددت عنه الأراء، هل هو المَياعة المُستحدثة -التي نراها- هذه الأيام أم إنه جواد بلا زِمام ولا يعلوه إلا صادقٌ شجاعٌ؟ كما يقول الإمام ابن حزم الأندلُسي: "الحب دقت معانيه لجلالتها عن أن تُوصف، فلا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكرٍ في الديانة ولا بمحظور في الشريعة؛ إذ القلوب بيد الله عزُ وجل."

 

من يكره حقًا ينسى ويتجاهل كرهه؛ إذ القلب كالسمكة لا يأمن للمياه التي نُصبت فيها شباك اصطياده بل ولا يذكرها ويغادرها أبدًا، وهو شعور أشبه بالنار التي تأكل بعضها بعضًا فلا المكروه يسلم من شر كارهه ولا الأول يحتمل فعل الثاني

فليس الحب اختلاقًا مزيفًا للمشاعر اللحظية التي سرعان ما تُستهلك فتنطفي وتزول، إنما الحب اختراق لكل الحواجز وتقصير للمسافات وإن طالت، هو أشبه بوقود يغلي في قدرٍ نُحاسي ولا يزيده مرور الوقت إلا غليانًا وإن تطفئ نيرانه يفسد؛ إذ الحب اشتعالٌ وجنون مُتقد. أما المحظور والمُنكر فتوابع الحب والسلوك الناتج عنه إن لم يرضخ لقواعد الدين وتشريعاته السمحة، فالحب بستان متى وطأته قدماك لابد وأن تشتاق لثماره، لاسيما وإن كانت أشجاره يانعة خضراء تتلفح أوراقها بالصدق والجمال.

أما الكُره فالقول فيه واحد ومحدد: من يكره حقًا ينسى ويتجاهل كرهه؛ إذ القلب كالسمكة لا يأمن للمياه التي نُصبت فيها شباك اصطياده بل ولا يذكرها ويغادرها أبدًا، وهو شعور أشبه بالنار التي تأكل بعضها بعضًا فلا المكروه يسلم من شر كارهه ولا الأول يحتمل فعل الثاني. والذين نزلوا في دروب الحب والكره وكانت لهم فيها حروب -وإن انتهت بالهزيمة- فهم على علم الآن بخفايا الشعور ودقائقه، تجدهم يعظمون قلوبهم ولا يسمحون لأحد أن يدخلها إلا إن يكشف عن قلبه الصدق والأمانة فالقلوب منازل لها أسرارها وخصوصيتها.

أما أنتم أصحاب القلوب الغَضّة التي لم تجنِ عليها الحياة جنايتها، بالله تمهلوا واربطوا على قلوبكم ولا تُقحموها فيما ليست هي أهل له، ولا تجعلوا واقعنا المَعيش يغرنكم بزيف السعادة الوهمية ومعانِ الحب الكاذبة التي يُزينها.

فالحب رزق من الله، ومن ذا الذي يمنع رزق الله إن نزل، فلا تتعجل به، فكم من مفؤدٍ جنى على نفسه وسجنها في بحر العشق وكان مُخطئًا! وحتى لا تنزل منزل الندم والألم أترك الأمور تجري على طبيعتها، وإن ضاقت بك السُبل فالجأ إلى الله. وأخيرًا إياك أن تجعل لأحد مكانة كبيرة للحد الذي يُنسيك أن حبك معظمه لله أولًا؛ فوالله لو تعلّقت بغيره -عن تجربة- ليُذيقنكَ مرارة هذا التعلق -وما أضعفنا إذ يفعل!- فلتعودنّ إليه نادمًا باكيًا تجر خيباتك وكسر قلبك فيجبره ويضمد جراحك ويربط على قلبك ويثبتك جديدًا؛ لتعلم أنه وحده الأولى بحبك له.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان