وتطبيقا لموضوع القيادة، وكدراسة اجتماعية لحياتنا وما تغير حديثاً فيها وبشكل جلي نجد أمرين اثنين:
الأول: هو ظهور القائد غير المباشر، وغير المحيط بنا جسدياً، كالفنانين والشخصيات العامة المشهورة الذين نتابعهم عبر الإنترنت وعن بعد، ودخلوا في حياتنا ليؤثروا بها ويوجهوها بطرق مختلفة، وإن كنا لم نلتق بهم ولو لمرة واحدة. فهؤلاء نفذوا إلى قلوبنا قبل عقولنا، وغدت كلماتهم مفاتيح سحرية لكثير من مغاليق قلوبنا، وأصبحوا قادة مباشرين لتحركاتنا وأعمالنا، ومؤثرين في شخصياتنا وأفكارنا وقيمنا، حتى وإن لم نكن نشعر بذلك، أو ادعينا بأننا نقوم بفلترة كل الأفكار الواردة إلى عقولنا.
والثاني: وهو ما ميّز حياتنا الاجتماعية وظهر فيها بشكل جلي، بروز كثير من الأنماط المعيشية والحياتية الجديدة، وتعزيزها كــ "قائد" لحياتنا ومسيّر لكثير من طرق تعاملنا مع الحياة، وإن لم تكن بطبيعتها بشرية. وقد غدا هؤلاء القادة -من غير البشر- يؤثرون بنا ويقودننا بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وربما يحرفون حياتنا ويغيرونها من مسار إلى آخر، وبدون أدنى ممانعة من طرفنا.
| لا زلنا لا نعترف بالقيادة إلا لعنصر بشري مباشر يواجهنا ونواجهه، ويستحق هذا بنظرنا، بما يحمل من أفكار وقدرات ومهارات، وقيم أحياناً، وأما باقي التفاصيل فنعتبرها مؤثرات بعضها قوي وأخرى هامشي. |
فالكتاب الذي نقرأه قائد مؤثر لنا بأفكاره وما يبثه من توجيهات، والموسيقى التي نسمعها قائد مؤثر بكلماتها وألحانها، والأخبار التي نتلقاها صباحا ومساء تؤثر فينا وتغير من تفكيرنا وتوجهاتنا، وأنشطة العمل كذلك، وبيئته، ومستوى الرقي والتعامل فيه، والأنماط الاستهلاكية التي باتت أجسامنا وعقولنا تتغدى بها، والايقاع الحياتي السريع لحياتنا، كل هؤلاء بات قائداً لنا وموجها لحياتنا بطريقة أو بأخرى.
كل هذا يؤثر فينا، ويقودنا نحو سلوك معين ومحدد بذاته، ومن هنا جاء تأثير البيئة المحيطة ومن نتعامل معهم بشكل دوري، وإن لم يكونوا بشراً كالكتاب والأغنية والفيلم السينمائي والفيلم الوثائقي وغيره. والسؤال: هل يمكننا اعتبار الكاتب في حالة الكتاب قائداً لنا؟ أو هل نعتبر البطل في الفيلم السينمائي قائداً لنا أم مخرج الفيلم أم كاتبه وصاحب الكلمات فيه؟ أي هل نعتبر (غير البشر) المباشر لنا كالكتاب والفيلم هو القائد؟ أم من يقف خلفه من البشر؟
والحقيقة الأولى أن مزيجاً من كل هذا يشكل أفكارنا ومعتقداتنا وقيمنا ويوجهها، ويدعم توجهاتنا في الحياة، والحقيقة الثانية أننا كبشر لا زلنا لا نعترف بالقيادة إلا لعنصر بشري مباشر يواجهنا ونواجهه، ويستحق هذا بنظرنا، بما يحمل من أفكار وقدرات ومهارات، وقيم أحياناً، وأما باقي التفاصيل فنعتبرها مؤثرات بعضها قوي وأخرى هامشي.
والأهم من كل ذلك أننا في لحظة من حياتنا نصنع بأيدينا أنماطاً حياتية نحبها ونقدسها، ونرفض التنازل عنها، وتبقى تسيّر حيواتنا إلى أن تصل إلى مرحلة تغدو فيها الملكة على عرش تحركاتنا وقرارتنا، ولا نستطيع الاستغناء عنها، فنصبح موجَهين (بفتح الجيم)، بعد أن كنا موجِهين (بكسر الجيم)، وتغدو هي القائد ونحن التابع، مع أننا نحن من صنعها في البداية، وكان قادراً على صنع غيرها، وتصبح حياتنا أسيرة بيد مجموعة من الأنماط التي ظنناها ستساعدنا إلى الوصول إلى قمة أهدافنا، فغدت إله نعبده ونقدسه دون إلهنا، وأصبحت غاية جليلة لا يجوز المساس بعد أن كانت وسيلة عادية.
والمحزن أن ذلك الجاهليّ الذي كان يصنع إلهه من التمر في بداية العام كان تفكيره يقوده إلى أن يأكل ما صنع إذا ما جاع في نهاية العام أو أوسطه، أما نحن فقد شلّت قدراتنا ولم نستطع التغلب على أنماط سلوكية تلبّستنا وبدأت تأكلنا ونحن ننظر إليها وندافع عنها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

