فنكلشتاين واختراع تاريخ "إسرائيل"

مدونات - فنكلشتاين
من رحم التوراة، ولدت نظرية عالم الآثار "الإسرائيلي"، إسرائيل فنكلشتاين، التي تقوم على نقد النظريات القديمة عن أصول "بني إسرائيل"، ومحاولة إنقاذ ما تبقي من سمعة الرواية التاريخية التوراتية، بعد الفشل الذريع في العثور على أقل دليل يثبت فترة نشوء "إسرائيل" القديمة في بلادنا فلسطين (نحو 1200 ق.م)، وهي الفترة الانتقالية الواقعة بين أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي.

يذهب فنكلشتاين إلى أن: "الإسرائيليين لم يأتوا إلى فلسطين في صورة محتلين من الخارج، وإنما انبثقوا ونبتوا من داخل هذه البلاد، فهم السكان الأصليون وليسوا وافدين ولا مهاجرين، فيزعم أن علم آثار السنوات الأخيرة يكشف سلسلة أحداث مغايرة لقضية الاستيطان -الهجرة من الخارج- والنظريات العلمية التي سيطرت منذ نهاية القرن الماضي انهارت واحدة تلو الأخرى، والصورة التي تظهر اليوم من المكتشفات الأثرية! تفيد بأن الكيان "الإسرائيلي" ظهر من خلال سكان محليين وليس نتيجة لحدث واحد -الهجرة- وقد كان مرحلة في سلسلة أحداث دورية متكررة طويلة المدى في تاريخ البلاد، ولم يتغذ [الوجود الإسرائيلي] من السكان الذين جاؤوا من خارج البلاد؟!".

يؤكد فنكلشتاين من دون دليل، وعلى أساس ظاهر مرويات توراتية لاحقة غير مدققة، أن أصول "إسرائيل" توجد في مجموعات محددة من المستوطنات الجديدة في المرتفعات الوسطي والجليل.

وقد أكد ذلك، في كتابه "أركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي"، المنشور عام 1986، أن المواقع الجديدة في الهضاب المركزية هي بالفعل مواقع «إسرائيلية»، ولكن من شكلوها لم يأتوا من خارج فلسطين بل من داخلها. فقد أدى الجفاف، الذي حل بالمنطقة خلال العصر البرونز الأخير إلى اقتلاع شامل للسكان في منطقة الهضاب المركزية، وحولهم إلى رعاه متنقلين. وعندما عاد المناخ المطيري سيرته الأولى عادت هذه الجماعات المقتلعة إلى مواطنها السابقة واستقرت فيها. وبذلك يعمل فنكلشتاين على تجذير القبائل "الإسرائيلية" في المنطقة، ويؤكد على الطابع الإثني المستمر والمتميز لهذه الجماعات، التي شكلت "إسرائيل" فيما بعد.

وقد فسَّر إسرائيل فنكلشتاين، ونيل اشر سيلبرمان، هذه النظرية في كتابهما "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" بالقول: أن بروز "إسرائيل" المُبكِّرة كان نتيجة لانهيار الثقافة الكنعانية، وليس سبباً له. وأغلب "الإسرائيليين" لم يأتوا من خارج كنعان ـ-بل ظهروا من داخلها-. ولم يكن هناك خُروج جماعي من مصر، بل لم يكن هناك غزو وفتح عنيف لكنعان. وأغلب الذين شكَّلوا "الإسرائيليين" الأوائل كانوا أناساً محليين -نفس الناس الذين نراهم في المرتفعات طُول فترة العصرَيْن البرونزي والحديدي-. كان "الإسرائيليون" الأوائل – من سُخرية السُّخريات – أنفسهم ــ أصلاً ــ كَنْعَانِّيْين.

وإذا كان مؤرخونا وباحثونا، لم يشككوا لحظة فيما ذكره عالم الآثار "الإسرائيلي"، فنكلشتاين، بل رددوه كأنه الحقيقة، فإن أحد المؤرخين الغربيين، توماس طمسن، لم يسعه السكوت على هذا الكذب التاريخي فيقول: يؤكد فنكلشتاين من دون دليل، وعلى أساس ظاهر مرويات توراتية لاحقة غير مدققة، أن أصول "إسرائيل" توجد في مجموعات محددة من المستوطنات الجديدة في المرتفعات الوسطي والجليل. مؤكد أن نماذج الاستيطان التي يفحصها ذات أهمية كبير، ولكن لا سبب يدعونا للزعم بأن سكان المناطق الجبلية، أو المستوطنين الجدد في تلك المنطقة مرتبطون بشكل متميز بـ "إسرائيل" الناشئة.

الاستعجال في تفسير معلومات يفترض أن تكون موضوعية وخارجة عن التوراة، على أساس افتراضات مستمدة من التوراة، هو شيء يتسم به تاريخ البحث عن "إسرائيل" القديمة.

في تقييم دراسة فنكلشتاين، تصبح مسألة تحديد ما يجب إدراجه ضمن مفهوم "إسرائيل"، في أي مدى زمني محدد، صعبة لأن معيار فنكلشتاين نفسه يبدو تعسفياً تماماً، حتى أن المرء يقاد إلى الشك بصحة عنوان كتاب فنكلشتاين "أركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي" وثقته به. أليس الأولى والأفضل أنه يتعامل مع أركيولوجيا مستوطنات العصر الحديدي الأولى في فلسطين الوسطى، تاركاً للآخرين مسألة أصول "إسرائيل"؟

إذن لقد احتوى بناء فنكلشتاين التاريخي لبدايات "إسرائيل"، على أخطاء قليلة هائلة، والناتجة عن تأثره البالغ بالتوراة. وهذا يعني بالطبع (من وجهة نظري)، أن نظرية فنكلشتاين ليست. أكثر من تلفيق لماض متخيل.

من المناسب أن نختم، بما يقوله المؤرخ البريطاني، كيث وايتلام، عن تاريخ البحث عن "إسرائيل" القديمة: الاستعجال في تفسير معلومات يفترض أن تكون موضوعية وخارجة عن التوراة، على أساس افتراضات مستمدة من التوراة، هو شيء يتسم به تاريخ البحث عن "إسرائيل" القديمة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان