الله عَزَّ وَجَلَّ لا ينظر إلى شكلك ولاَ إلى صورتك ولكن إلى هَمِّكَ وهِمَّتك، ما الذي يهمك؟ الإنسان في هذا الزمن هَمه أن يأكل، هَمه أن يستمتع بالحياة، هَمه أن يعيش وحيداً، مرتاحاً مِن كُل هَمٍ وغَمٍ، لكن في المقابل هناك أناس همهم هداية الخلق، فأنت تكبر عند الله بقدر ما تحمل من هموم المُسْلِمِين، الإنسان طاقات كبيرة جداً، فقد تجد إنسانا ترك أثارا عِلْمِية مذهلة، رغم أنه عاش عُمرا محدودا كأي عُمْر، الحضارة الإسلامية غنية بعلماء كبار، يُعَدُّون مِن المُجَدِّدين في الدِّين، تجد فِكْره وكتبه على كل لسان، بعد آلاف السِّنين، وفي كل قُطْرٍ من أقطار الأرض.
| سوف نحاول الإجابة على تساؤلات غاية في الدقة والأهمية: ما الذي يَهُمك؟ ما الذي يُقْلقك؟ ما الذي تَصْبُو إليه؟ ما الذي تَرْجُو منه؟ مع مَنْ تَعِيشْ؟ تَعِيشْ لِمَنْ؟ تُرْضِي مَنْ؟ تُغْضِبْ مَنْ؟ تُنْفِقْ عَلى مَنْ؟ تَصِلْ مَنْ؟ تُقاَطِعْ مَنْ؟ مَنْ أَنْت؟ |
في كثير من الأوقات تجدني مندهشاً أسأل نفسي مراراً وتكراراً، محاولاً معرفة سِر هذه الهِمَّة التي كان يَنْضَوِي عليها هَؤُلاَءِ النُّخْبَة قَيد حياتهم، لأن المعرفة الدقيقة لأسْرَارْ هذه الهِمَمْ سوف تدفعني لِلْبَحْتْ عن الأسباب التي تجعلني قوياً إذا كنت حقاًّ أُريد النجاح خلال هذا العِقْد، وأن أُحقق هدفي، وتحفزني للبحث عن الأسباب التي تُبْقِينِي متماسكاً بشكل جيد عندما تَسُوءُ الأُمُور، لأنه حينَها سَيُشَكِّل الأمر تحدياً كبيراً، خصوصاً عندما تريد النصر، عندما تريد الإنتقال إلى مستوى أخر سيفتح لك النجاح أبوابه، كل شيئ مِن المُفْتَرض أن لاَ يَحْدت، سيتحقق وفي أسْوئ الأوقات.
الإرادة القوية والرغبة الملحة الصادقة في الانتقال إلى مَوْجة أخرى، مثل ركوب الطائرة تماماً، أول شيء يُطْلَبُ منك أن تقوم به هو أن تَرْبط حِزام الأمان، لأنك سوف تواجه بعض المَطَبَّاتْ الهَوائِية أثناء الصُّعُود، بالفِعل لاَ يُقْلَقْ من هذا، فقط يجب عليك أن تربِط حِوام أمانِك النفسي والعقلي والروحي، لأن الأمر سَيَسْتَغْرِق وقتاً محدداً قبل أن تستقر الأمور، نعم سَتصِل إلى هناك، لكن يجب أن تواجه كل ذلك، أولاً هكذا تنمو وهكذا تتطور، لأن الحياة تشبه قِطار المَلاهِي أحياناً تكون بالأعلى، وأحياناً بالأسفل، أحياناً تسير الأمور بشكل جَيِّد، وأحياناً أُخرى لاَ تَسِير كذلك، لكن في أوقات الشدة تَكْتَشِف حقيقة نفسك. نعم لأنه في أوقات الرخاء تَعِيش على ما في جَيْبِك، أما في أوقات الشدة تَعِيش على ما قَلْبك، عندئِذٍ تعرف حَقِيقتَك وتلْمَس قَدْرك وقِيمَتك.
الإنسان يمكن أن يصل إلى أعلى عِلِّيِّين إذا استغل هذه الطاقات التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيه، بمعنى أدق ليس هناك حَل وسط، إما أن تصعد بهذه الطاقات فتكون في مراتب أعلى من مراتب الملائكة، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: (رُكِّبَ الْمَلَكُ مِن عقل بِلاَ شهوة، وَرُكِّبَ الحَيَوان من شهوة بِلَا عقل، وَرُكِّبَ الإنسان مِن كِلَيْهِمَا، فإن سَمَى عقله على شهوته كان فوق الملائكة، وإن سَمَتْ شَهْوَته على عقله كان دون الحَيَوان).
نستخلص من هذا النص الدقيق جداً مجموعة كبيرة من العبر والتوجيهات لأصحاب العقول النَّبْرَة فقط، أمَّا أصحاب العقول المُتَحَّجِّرَة التي لاَ تعترف وَلاَ تلقي بَال إلاَّ للتكنولوجيا الحديثة وَكُل ما هُوَّ مَادي ومَلْمُوس، والتي لاَ بَصِيرَة لها، ولا فكر فلسفي، لأنَّها تفتقر في الأساس لِمُقَوِّمَات التربية المتوازنة والتعليم المتكامل.
مِن أجل فهم النص فهم سليم، مرتبط بالواقع المعاش، سوف نحاول الإجابة على تساؤلات غاية في الدقة والأهمية: ما الذي يَهُمك؟ ما الذي يُقْلقك؟ ما الذي تَصْبُو إليه؟ ما الذي تَرْجُو منه؟ مع مَنْ تَعِيشْ؟ تَعِيشْ لِمَنْ؟ تُرْضِي مَنْ؟ تُغْضِبْ مَنْ؟ تُنْفِقْ عَلى مَنْ؟ تَصِلْ مَنْ؟ تُقاَطِعْ مَنْ؟ مَنْ أَنْت؟ قُل لي مَن الذي يُغْضِبُك؟ أقُول لَك مَن أَنْت، قُل لِي مَا الذي يُرْضِيك؟ أَقُول لَك مَن أنْت، قُل لِي مَا مِقْيَاس الفَوْز عِندك؟ أقُول لَك مَن أنت، قُل لِي مَا الذي يُحْزِنُك؟ أقول لك مَن أنت، فالمسافات كبيرة جداً والإنسان مخلوق ومجبول ليكون أَعْلَى المخلوقات مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء : 70)
| الهِمَّة هِيَّ المُحرك ولها علاقة بالمعرفة وبالقناعات العالية، كلما كَبر الهدف تَعلو الهِمَّة، وكلما اشْتد العِلْم تَعلو الهِمَّة، هذا في الدنيا، أمَّا إذا تَطَلَّع الإنسان إلى الأخرة تَعلُو هِمَّته، ويزداد شَوْقه ويَبْذِلُ الغَالي والرَّخيص، و النَّفْس والنَّفِيس. |
مُعْطيَات وَوَسَائِل الوُصُول إلى الله عَزَّ وَجَل في مُتَناوَلِك وبين يدَيك، لأن شَرْع الله واضح وضوح الشمس لدَيْك، الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن، وَلِمُجَرَّد أن تَدَع الحرام وتتركه فقد ارتَقَيْت عند الله عَزَّ وَجَل، طُرُق الوصول إلى الله تعالى كثيرة ومتعددة، نعم بصلاة النافلة، بصدقة النافلة، بطلب العلم، بخدمة المجتمع، بالسهر على تربية ولد صالح، بِسَن سُنَّة طيبة، بالحِرْص على صِلَة الأرحام، بالكلمة الطيبة، بالابتسامة الصادقة، بالتَّخَلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، والصدق في حُبِّ الله ورسوله، فإن أحْبَبت الله أحْبَبْت مخلوقات الله عَزَّ وجل، فَكُنْتَ بِهم رحيماً، كُنْت بِهِم رَؤُفاً، كُنت لَهُم مُنصِفاً. أمَّا الإنسان التَّافِه هُوَّ الذي يعِيش لِشهوَته، نعم تافه لا قيمة لَه، مصداقاً لقوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) (الكهف : 103-105).
إذن القضية مصيرية، والمسؤولية خطيرة وَجَسِيمة، لأنك أنت المخلوق الأول وأقصد بِها الدرجة والمكانة، أنت المخلوق المُكُرَّم، أنت المخلوق المُكَلَّف، عُلُو الهِمَّة مِن الإيمان، وَمَنْزِلَة مِن منَازِل إِيَّاكَ نَعبُد وإِيَّاك نَستعِين، وهُوَّ مبدأ الإرادة، أكبر نِعْمة من نِعَمِ الله عَزَّ وجل أن يكون الذين حولك على شَاكلَِتِك، في المستوى العلِْمِي الذي أنت فيه، في مستوى النقاء الذي أنت فيه، في مستوى الطهر الذي أنت فيه، في مستوى الهِمَّة العَلِيَّة الذي أنت فيها.
الهِمَّة هِيَّ المُحرك ولها علاقة بالمعرفة وبالقناعات العالية، كلما كَبر الهدف تَعلو الهِمَّة، وكلما اشْتد العِلْم تَعلو الهِمَّة، هذا في الدنيا، أمَّا إذا تَطَلَّع الإنسان إلى الأخرة تَعلُو هِمَّته، ويزداد شَوْقه ويَبْذِلُ الغَالي والرَّخيص، و النَّفْس والنَّفِيس.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

