المرأة والوطن.. وجهان لمأساة واحدة

blogs المرأة

تتسارع وتيرة الأحداث في وطننا العربي الكبير بسكانه ومساحته وموارده وثرواته وأيضاً بمشاكله وأحداثه الجسام من المحيط إلى الخليج، والتي تزداد صعوبةً وتعقيداً باستمرار ويوماً بعد يوم، وولدت لدي الشعوب شعوراً بالقهر والعجز الممزوج بالمرارة والمتشح بالحسرة على وضعنا بين مربعي المفعول به والمفعول به أكثر، وتسمرنا في وضعية رد الفعل الذي نادراً ما يحدث وإن حدث فيكون من الضعف بحيث تتبارى الأنظمة القمعية والديكتاتورية في اختراع الأدوات والأساليب التي تمكنها من جعل شعوب المنطقة تتأقلم وتتقبل ما يحدث لها من حروب ومصائب وانتهاكات وقتل وتشريد وأمراض ومجاعات.

 

ففي مصر على سبيل المثال تتفنن منظومة الانقلاب العسكري في تصوير الكوارث التي تنهال على مصر وشعبها كالمطر والمتسبب الرئيسي فيها النظام العسكري نفسه وكأنها انتصارات ساحقة وإن مصر قد أصبحت "أد الدنيا" حسب تعبير الجنرال السيسي ذو الخلفية العسكرية وقس على هذا أوضاع معظم الدول العربية.

في وسط تلك الدوامة استرعى انتباهي ثلاثة أحداث الرابط الوحيد بينها هو المرأة، أولها قيام داعية سعودي شهير بدعوة النساء المسلمات لعدم ارتداء العباءات ذات الألوان المزركشة والمطرزة بالرسومات والفصوص، والثانية مقالة طويلة لباحثة في الأدب والعلوم الاجتماعية عن ترتيب الحواجب "النمص" وحكمه الشرعي مستخدمةً الموضوع في محاولة لشرح وجهة نظرها حول الفرق بين التدين الظاهري والتدين الحقيقي، والثالثة سؤال لأحد الشعراء "مسلم الديانة" حول لماذا لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم "المسيحي واليهودي" إسوةً بالرجل المسلم الذي يحل له شرعاً الزواج من الكتابية "المسيحية واليهودية".

تاهت المرأة بين دعاة يدعون للدين بطريقة تخويفية تقدم العقاب على الثواب بدلاً من شرح صحيحه وتبيان روعته وحفاظه على حقوق المرأة ومكانتها وكرامتها، وتركوا الأصول والثوابت وتمسكوا بالفروع

لن أناقش هنا أي من المسائل الثلاث فقد تكفل مصدري التشريع في الإسلام "القرآن والسنة النبوية" بالحكم القاطع والواضح فيها وقتلها الفقهاء والعلماء والدعاة بحثاً وشرحاً وتوضيحاً.

لكن دفعني هذا للاستغراق في التفكير والتأمل لأجد أن "المرأة والوطن" وجهان لعملة واحدة في الوضع الطبيعي والإنساني والأخلاقي، "مأساة واحدة" في حالتنا العربية فالمرأة هي الأم التي أتت بنا لهذا العالم وعلى استعداد أن تضحي بكل ما لديها عن طيب خاطر في سبيل راحة أسرتها وأبنائها وسعادتهم، والوطن هو الأم هو تلك البقعة من العالم التي نعيش عليها وننتمي إليها وعلى استعداد أن نضحي بكل شيء نملكه من أجل تقدمه وحمايته حتى لو كلفنا هذا أرواحنا ودمائنا.

تاهت المرأة بين دعاة يدعون للدين بطريقة تخويفية تقدم العقاب على الثواب بدلاً من شرح صحيحه وتبيان روعته وحفاظه على حقوق المرأة ومكانتها وكرامتها، وتركوا الأصول والثوابت وتمسكوا بالفروع ويودون لو استطاعوا أن يضربوا حول المرأة أسواراً بحجة حمايتها بدلاً من حماية الأمة كلها بالجهر بكلمة الحق في وجه سلطان جائر والعودة لمهمتم الأصلية في إيقاظ همة الشعوب وتوعيتها بدلاً من تطويع علمهم وقدراتهم خدمةً لأولياء نعمتهم ويطلقون هم عليهم "ولاة الأمر".

 

ضاع الوطن بين طغاة مستبدين أقاموا حوله الأسوار والأسلاك الشائكة، ويتصرفون وكأنه بما فيه ومن فيه أملاك خاصة وإقطاع يتصرفون فيه كما يشاؤون، وعملاء في هيئة أنظمة خضعت للغرب والصهاينة وتخلت عن مقدراته وثرواته

ومثقفون شغلتهم حواجب المرأة ومن تتزوج به عن قضايا الأمة ونكباتها، وبين من يدعون بأنهم من مناصري التحرر والحداثة وحقوق المرأة والذين يتراقصون فرحاً كلما تخلت المرأة المسلمة عموماً والعربية خصوصاً عن ثوابت المعتقد ورمت وراء ظهرها شيئاً فشيئاً الأعراف والتقاليد، ويتفقون جميعاً في مناصبتهم العداء لكل من يحاول توضيح الصورة الحقيقية للدين والأعراف والتقاليد وإننا أمة وسطاً وأنه لا يوجد تعارض بين الدين والتدين وحقوق المرأة والتمدن .

وضاع الوطن بين طغاة مستبدين أقاموا حوله الأسوار والأسلاك الشائكة، ويتصرفون وكأنه بما فيه ومن فيه أملاك خاصة وإقطاع يتصرفون فيه كما يشاؤون، وعملاء في هيئة أنظمة خضعت للغرب والصهاينة وتخلت عن مقدراته وثرواته بل وأراضيه قطعة وراء أخرى ثمناً لاستمرارهم في كراسيهم، ونخب وجماعات يسعى معظمها لاهثاً خلف مكاسب ومناصب وصراعهم مع الأنظمة في مجمله عبارة عن خلاف حول الغنيمة أكثر منه كصراع من أجل حماية الوطن والأمة، ويتفقون على عداوة وحرب كل من يحاول ويعمل على استقلالية وطننا العربي ويحمل هم شعوبه ويدافع عن قضاياه وما أقلهم "أنظمةً ونخب وجماعات". ويبقى السؤال هل يمكن الحفاظ على المرأة في وطن تائه وممزق وضائع؟؟

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان