لا يختلف اثنان في أن حرب الجزائر على فرنسا، من أعظم الحروب التي خاضتها دولة من دول العالم الثالث ضد القوى الاستعمارية، منذ أن كانت مقاومات منفردة (أي أن لكل إقليم مقاومته) حتى تطورت إلى مقاومة سياسية في مطلع القرن العشرين تمخضت عنها مع نهاية النصف الأول من هذا القرن ثورة عسكرية، شهد لها العلم بالتنظيم المحكم والشجاعة الكبيرة، مما جعل المؤرخين يصنفونها ثاني أكبر حرب ضد المستعمر بعد حرب الفيتنام، لقد جعلتنا هذه العظمة والكمالية، ووصول هذه الحرب لمبتغاها الأول والأكبر وهو استقلال الجزائر، نتغاضى عن بعض التجاوزات والثغرات التي دونت في بعض كتب التاريخ.
ولأن التاريخ يكتبه المنتصرون فأن هذه الثغرات لم تلقى اهتمام كبيرا من طرف الفئات الشعبية في جزائر منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، وهذا لأن كتب التاريخ الرسمية وحتى الكتب المدرسية الصادرة عن الأنظمة التي توالت على حكم الجزائر اكتفت بتدوين ما هو خال من كل الشوائب، لتجنب نفسها الإساءة لطرف من الأطراف التي شاركت في تحقيق النصر المنشود، ولكنها دون أن تدري أساءت لشعب بأكمله، لأن بناء مستقبل زاهر، يتطلب من الأجيال اللاحقة معرف التاريخ بشتى تفاصيله الجيد والسيء المفرح والمحزن..
ألم يعلمونا أنه من لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له، لهذا فالمشاريع القومية تعتمد أساسا على السير كما سار الأجداد، و محاولة تكرار و مواصلة إنجازاتهم، وتجنب أخطائهم وهفواتهم، من بين الهفوات التي لا يمكن تجاوزها ملف الاغتيالات في الجزائر، إن ملف الاغتيالات في الجزائر ليس وليد فترة ما بعد الاستقلال، بل تذكر كتب التاريخ أن الاغتيالات في صفوف رجال الثورة كانت حتى أثناء فترة تواجد فرنسا في الجزائر وأهمهم، عبان رمضان والذي اغتيل بالمغرب سنة 1957، ويرجع المؤرخون أن سبب اغتياله يعود لمعارضته للنظرة العسكرية للحرب التحرير وتفضليه للمقاومة السياسية، والتي كانت بندا من بنود مؤتمر الصومام.
| حديثنا عن ما دار بين رجال حرب التحرير في الجزائر ليس طعنا في مبادئهم وقيمهم التي ثاروا لها، بقدر ما هو سعي لإعادة عجلة التنمية في الفكر والاقتصاد لسكتها. |
كما توالت الاغتيالات بعد الاستقلال، نتيجة الصراع على أحقية السلطة وتسيير الجزائر، فاغتيل العقيد شعباني في 1964 أصغر عقيد في تاريخ الجزائر، وأعدم رميا بالرصاص لمعارضته تعاليم أحمد بن بلة ووزير دفاعه في ذلك الوقت هواري بومدين، واغتيل محمد خيضر 1967 في مدريد بطلقات مسدس، وفي 1970 اغتيل كريم بلقاسم الذي يعد أحد الستة النواة الأولى لحرب التحرير الجزائرية في ألمانيا شنقا بربطة عنق، وغيرهم الشخصيات الثورية التي اغتيلت سواء قبل وبعد الثورة، مع وجود لبس وصعوبة في معرفة الطرف للذي قام بالاغتيال.
إذ يرى البعض أن السلطة الجزائرية في تلك الفترة كانت وراء هذه الاغتيالات، نتيجة معارضة هذه الشخصيات لها بعد الاستقلال خاصة بعد الأزمة بين مجموعة تيزي وزو والممثلة في كريم بلقاسم محمد بوضياف وغيرهم، ومجوعة تلمسان الممثلة في بن بلة وهواري بومدين وآخرون حول تولي تسيير أمور البلاد، فيما يرى شق آخر أن مخابرات أجنبية هي من كانت المسؤولة عن هذه الاغتيالات، لبث الفرقة والتناحر بين رجال الثورة، وإبقاء الجزائر على كف عفريت، وتعطيل مشروع التنمية الذي كان يتطلع له الشعب الجزائري بعد الاستقلال.
لم يكن الاغتيال السبب الوحيد لطرح الأسئلة، فقد عانت كثير من الشخصيات الأخرى إما تهميشا وإما نفيا، فتصفية الحسابات لم تقتصر على من حملوا السلاح أو من ارتدوا بزة السياسي، فقد عانى البشير الإبراهيمي، بحر العلم وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين ورئيسها بعد وفاة العلامة عبد الحميد بن باديس من النفي والتهميش ومنع من ممارسة دوره كمثقف ورجل دين في أوساط المجتمع الجزائري، كما أضطر شاعر للثورة وأول مؤرخ لها مفدي زكريا للجوء لتونس خوفا من عداوة النظام الجزائري، و كذلك آيت أحمد السياسي المحنك والأكاديمي الذي كان يلقي محاضراته في أكبر الجامعات الأمريكية هو الآخر تعرض للنفي والتهميش، فلماذا يهمش عباقرة أمثال هؤلاء، في حين أنه لا أحد يمكنه التشكيك في وطنيتهم، ولا أحد ينكر فضلهم على الجزائر وقدرتهم على دفع عجلة الفكر والثقافة إلى الأمام بعد تأخر دام أكثر من قرن وثلاثون سنة.
إن بحثنا عن أجوبة لكل هذه الأسئلة، ليس للتخوين أو الطعن في وطنية أحد، فالخلافات قائمة وستظل مادامت هناك حياة على هذه الأرض، فحتى صحابة رسول الله وكما يطلق عليهم الجيل القرآني الفريد الذي تتلمذ مباشرة عند أكبر وأعظم معلم في الإنسانية، شهدوا خلافات حادة بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-، لكن كما يقول الدكتور محمد مختار الشنقيطي في كتابه "الخلافات السياسية بن الصحابة" لا أحد يطرب بالحديث عن الاقتتال الذي نشب بين الرعيل الأول من المسلمين، ولا أحد يستمتع بكئ جراح الأمة، لكن الطبيب قد يوصي بالدواء الـمُـرِّ، ويستخدم مِبْضَعه وهو كاره.. وتلك أحيانا هي الطريقة الوحيدة لاستئصال الداء"
فحديثنا عن ما دار بين رجال حرب التحرير في الجزائر ليس طعنا في مبادئهم وقيمهم التي ثاروا لها، بقدر ما هو سعي لإعادة عجلة التنمية في الفكر والاقتصاد لسكتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

