لقد بدأنا نبتعد عن أرض الوطن.. شيئاً فشيئاً.. حتى حجبت السحب بلادنا عن الأنظار. جاء الهبوط… وها هو المطار.. بدأت إجراءات الدخول والآن قد دخلت العالم الجديد، حياة أخرى مختلفة تماماً عما سبق، لغة مختلفة وعادات مختلفة، حتى الزمن هنا يختلف يا صديقي، لست بزمنك بل إني أسبق أوانك بثلاث ساعات أو أكثر. واجهت أشد الصعوبات حتى أمسيت أشير بأصابعي الثلاثة إن أردت أن أقول شيئا ما. فأنا لا أستطيع فهمهم ولا هم أيضاً، مضت شهور ثم بدأت أتأقلم، أعجبت بتطورهم وبنظافة بلادهم وطرق التعليم عندهم، خالفتهم في بعض المبادئ واتفقت مع البعض الآخر. تعلّمت لغتهم والآن أصبحت لا أكاد أختلف عنهم إلا في أمور العقيدة وما شابه. أصبحت لا أريد أن أغادر هذه البلاد الخلابة فأنا هنا إنسان أمارس حريتي وأحصل على جميع حقوقي كإنسان.
| أصارحك اليوم يا صديقي، أصعب ما يأتي لمخيلتي هو موتي. قبري ونعشي.. دفني وعزائي. من سيحملني، من سيتذكرني، من سيقوم بدفني. |
نجحت يا صديقي وحققت مبتغاي، ها أنا الآن أملك عملاً لم أحلم به قط، لدي رصيد في البنك قد جنيته من عمر أفنيته في غربتي في سبيل راحتي المادية. وأما الآن فأنا أحدثك من هنا، من منزل فخم في أجمل المناطق الأوروبية، لكن الثلج غطى ما حولي، لا أجد من يؤنسني أو يقدم لي عبارة تدفئني، لا أقوى على الحراك فأنا هرم متعب تجاوزت الستين من عمري، ولكنني أشعر أني بلغت الثمانين في نفسيتي، لا أجد من يفتقدني إن لم أخرج ليومين أو حتى أكثر، وبابي يا صديقي منذ أسابيع لم يطرق.
صديقي، في كل مرة كنت أفكر فيها بالعودة إلى الوطن.. كنت أقول في نفسي. عليَّ أن أنتظر قليلاً، وها هي أربعون عاماً قد مضت وأنا أقول قليلاً وقليلاً. غادرت الوطن وأنا ابن العشرين والآن قد أتممت الستين. أتذكر حينما سافرت مع بداية الحرب تلك! وها هي بلادي قد عادت ونهضت، وعادت إليها الجاليات، ولكنني لم أعد، لم أكن أجرؤ على فكرة العودة.
| عاهدني يا صديقي أن تذكرني…عاهدني أن أجول في ذاكرتك طوال حياتك، أن تجعلني أشاركك أجمل لحظاتك، أن تجعل طيفي يمكث معك في أرجاء منزلك. |
أصارحك اليوم يا صديقي، أصعب ما يأتي لمخيلتي هو.. موتي.. قبري ونعشي.. دفني وعزائي.. من سيحملني، من سيتذكرني، من سيقوم بدفني، أسأجد من يلاحظ موتي في ذات الليلة! أم سأترك جثة هامدة على الأرض أياما وليالي حتى تفوح رائحتي. أن يموت الإنسان هنا في هذه البقعة الجغرافية البعيدة، ثم يدفن هنا، فتعود الجاليات إلى وطنها، ويبقى ثراه هنا في أقصى البلاد، فيصبح وكما قال الشاعر محمود درويش (تنسى كأنك لم تكن). أي أنه يصبح منسياً لا يُزَار ولا يُذكر كأن تعود مياه الوطن إلى مجاريها وهو هنا في قبر وحيد مظلم موحش، يشتاق مرقده لزهرة توضع فوقه، إلى سورة قرآنية تتلى عليه، إلى دمعة محب تهوي على ترابه، سيشتاق مرقده إلى الوطن أكثر منه.. أو ليست أبسط الحقوق أن يحمل نعشه محب! فهل من محب هنا يقف بحانبه بعد الممات!
صديقي ربما الأجل قريب من يدري، قال تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). عاهدني يا صديقي أن تذكرني…عاهدني أن أجول في ذاكرتك طوال حياتك، أن تجعلني أشاركك أجمل لحظاتك، أن تجعل طيفي يمكث معك في أرجاء منزلك، أبوح لك يا صديقي… ولكن أرجوك لا تطلب مني ما لا أقوى عليه، فأنا لا أستطيع العودة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

