من جعل الشباب يستقيل قسرا

blogs - مظاهرة في المغرب
ما الذي قد يجعل شابا يافعا تواقا للحرية والعدالة الاجتماعية في مجتمعه يحمل قلمه ويطلق جماح فكره للتأمل في الأسباب الحقيقية التي قد تكون وراء هذا الانسداد في الأفق! ما طبيعة المشكل بالضبط، المشكل الذي جعلنا منذ الاستقلال وقبله لا نراوح مكاننا؟! أما السؤال الأول فأعكسه وأقول ما الذي يجعل شبابا يافعين في مقتبل العمر كلهم قوة وفتوة مستقيلين من هذا الطموح الجماعي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟! ما الذي جعل طموحاتهم فردية أنانية، هذا إن كانت لهم أصلا طموحات، وإلا فالغالبية ممن نعرف ونرى ونخالط فقدوا القدرة على الطموح وصارت حياتهم فارغة من أي هدفية وقصدية.
بزفرة يائسة أستهل هذا الإبحار في محاولة تقصي الأسباب التي قد تكون وراء هذه الإشكالات المؤرقة التي تبدو منذ البداية غير طبيعية وغير عبثية، بل هي حتما وليدة سياقات معينة هي التي شكلت الصورة والوضع على هذه الشاكلة التي نراه عليها اليوم. هذه كملاحظة أولية أساسية، من هذه الملاحظة سننفذ مباشرة إلى عمق الأشكال الذي سنحاول تتبعه. ما الذي جعل الشباب يائسا إلى هذه الدرجة التي لم يسبقها مثيل.

على الأقل لا يمكن المقارنة بين أحلام الشباب وطموحاتهم إبان فترة الاستعمار وحتى إلى حدود تسعينيات القرن الماضي مع هذا طموحات شباب اليوم مع التحفظ الكبير حول مدى دقة وصوابية هذه المقارنة في الأصل. على الأقل شباب مغرب الاستعمار كانت تحركهم أشواق وأطروحات صلبة وطنية وحدوية تحررية من أسر الاستعمار نحو الاستقلال وبناء وطن حر مستقل. هذا الطموح الذي ظل عشرات من السنين هو ذاته المحفز والمحرك والمرجعية التي يتحرك وفقها أغلبية الشباب بعد الاستقلال رغم التباين في الرؤى والأفكار: هذا ناصري وهذا شيوعي، هذا محافظ إسلامي وذاك ليبرالي رأسمالي.

الخوف اليوم من الأجيال الجديدة، التي تنتجها المدرسة المغربية المستقيلة والمنهارة، هو أنها منفتحة على كل الاحتمالات ولا يمكن التنبؤ بتاتا بمقدرتها وحدود حركيتها. يتعلق الأمر بمئات الآلاف من الشباب العاطلين الذين فقدوا ربما أدنى مقومات الارتباط بالوطن.

لكن البوصلة لم تخطئ يوماً الوجهة والأشواق الدافعة إلى الحرية وبناء وطن الرفاه للجميع. لقد ظل يراود كل الشباب على اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكرية هذا النضال المبدئي الذي قدم تحت يافطته شباب المغرب زهرة شبابهم ودمائهم وليال كئيبة من أعمارهم في غياهب السجون.. حتى بدأ يدب اليأس إلى صفوفهم شيئاً فشيئاً، جيلا فجيلا.. عمق الإشكال إذن هو الكشف عن تلك الأيادي التي واجهت الشباب وحطمت في نفوسهم أي طموح في التغيير وكل روح نضالية كفاحية!

أول متهم ببداهة وسذاجة لن يكون إلا دولة "المخزن" التي تشكل فعلا كيانا مركبا عصيا على الفهم والتفكيك. كل شيء فيها متناقض ومتسق في الوقت ذاته، فكما أن الديموقراطية اليونانية شيء وما صوره الخطباء والمنظرون شيء آخر، فالدولة المغربية التقليدية شيء وما قاله عنها الفقهاء والوعاظ شيء ثان. سنكون مضطرين أمام هذا الإحباط الذي يرسمه علينا تحديد مفهوم دقيق للمخزن أن نستدعي هنا واحدا ممن درسوا تاريخه وحاولوا سنينا تفكيك بنيته: المؤرخ العروي الذي يعتبر أن ما نسميه المخزن بالمعنى المحدد، النظام الذي كان في القرن التاسع عشر، والذي تعامل معه نواب الأجناس في طنجة، هو وليد القرن الثامن عشر، وإن شاركته الاسم أنظمة سابقة. القول إن المخزن دولة ‘’إسلامية‘’ أو سنية مالكية، أو شريفة، أو تقليدية، أو حتى استبدادية، لا يفيد كثيرا. الوصف الدقيق، المحرر من كل تعريف سابق، هو المنهج الصحيح.

للمخزن قاعدة إنتاجية، يبحث فيها الاقتصاديون، تتداخل فيها عوامل عتيقة وأخرى مستجدة. هو سلطان أي أمير، يأمر بالسيف وبالقلم. حوله جيش منتخب من قواد القبائل وكتاب مبرزين من سكان المدن. هو شريف له نفوذ روحي مجرب، ينافس به ويحمي في الوقت نفسه دور العباد وشيوخ الزوايا. هو إمام ساهر علي إقامة الشعائر وإحياء تعاليم الشرع بمساعدة القضاة والعلماء والمفتين والاسم الغالب، لأسباب ذكرناها، هو السيد أو المولى… غير أن الظاهرة الرمزية لا تلغي الواقع الملموس: السلطة بيد رجل يقمع مرة ويؤلف القلوب مرة، بواسطة آليات تتدرج من المرافق التدبيرية (جيش، وزارة، كتابة، عمالة، شرطة، بريد، قضاء، إفتاء، حسبة، إلخ).

الذي إذن أغمد وكبت أي طموح إصلاحي فيه نفس ثوري شبابي هو هذه البنية التقليدية التي لا يمكن أن تتعايش مع شيء آخر سوى منطق الرعية والولاء والطاعة، وليس واردا في قاموسها مفاهيم الدولة والحرية والديمقراطية وإن حملتها كشعارات في مراحل مختلفة من مراحل تطورها، إننا نعيش كيانا تحكمه طقوس مخزنية عتيقة هي أقرب إلى تقاليد زاوية منها إلى أعرف دولة.

سنوات مستمرة من السطحية والبذاءة في الإعلام ببرامج سمجة ومستوى ضحل فاقم من الغربة، وغموض يعيشه شباب اليوم، حتى غدوا تائهين من دون أي فكرة حول هويتهم، أو فهم لواقعهم، أو رؤية لمستقبلهم، أو أيدولوجية تؤطر تفكيرهم.

إذا كان شباب الأمس المثقفين الذين نراهم في صور الأسود والأبيض يلبسون أقمشة كلاسيكية وربطات عنق، كإشارة ربما بأنهم مثقفون وداخلون داخل أطروحات فكرية صلبة تؤطر تحركاتهم، هذه الأطروحات التي كانت في الغالب الأعم مبنية على شيء كبير من الرزانة والاتزان والمعقولية، فالخوف اليوم من الأجيال الجديدة، التي تنتجها المدرسة المغربية المستقيلة والمنهارة وتؤطرها "الألتراس الكروي" وصفحات المارد الأزرق، هو أنها منفتحة على كل الاحتمالات ولا يمكن التنبؤ بتاتا بمقدرتها وحدود حركيتها.

يتعلق الأمر بمئات الآلاف من الشباب العاطلين الذين فقدوا ربما أدنى مقومات الارتباط بالوطن، ما يجعلهم قنبلة مؤقتة قابلة للانفجار في أية لحظة، في الحقيقية إن الدولة لن تجني سوى ثمار سنوات من العمل على إفقاد هؤلاء الشباب مقومات المواطنة الحقيقية من خلال تجفيف منابع التأطير الفكري الجاد والمسؤول، وإلغاء الدور الكبير للجامعات كفضاءات للتأطير والنقاش الفكري والسياسي من خلال محو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من ذاكرة الأجيال المتعاقبة على الجامعات، وتخريب الأحزاب السياسية بما فيها شبيباتها التي ظلت دهرا من الزمن الخزان الذي أنتج قيادات سياسية وطنية عريقة، ثم تكريس حالة الجمود في النظام التعليمي من خلال افتقاد الحلول المتعاقبة لحلول جذرية تشي لنا بغياب إرادة سياسية حقيقية في إصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية من خلال غياب أي مؤشر على مباشرة هذا الإصلاح الذي أكد واحد من الوطنين الأقحاح في يوم من الأيام أن الحل الوحيد الممكن لهذه المشكلة. مشكلة التعليم في المغرب هو: الديمقراطية، وهي التي لا يزال هذا النظام خائفا من إقرارها إقرارا حقيقيا لا مجرد شعارات جوفاء.

زد على ذلك معضلة التعليم، سنوات مستمرة من السطحية والبذاءة في الإعلام ببرامج سمجة ومستوى ضحل فاقم من الغربة، وغموض يعيشه شباب اليوم، حتى غدوا تائهين من دون أي فكرة حول هويتهم، أو فهم لواقعهم، أو رؤية لمستقبلهم، أو أيدولوجية تؤطر تفكيرهم، أو أمل يحدوهم،  ومن دون أي طموح في تغيير حقيقي جذري يغير من حالهم.