مخدرات الطغاة

blogs - presedint

مخدرات الطغاة هي أنواع خاصة من المخدرات ولا أقصد بالطبع هنا تلك الأنواع من المخدرات المعروفة للناس، والتي يتم تعاطيها عن طريق الحقن في الوريد أو الشم أو التدخين والتي تُجرِم معظم دول العالم تعاطيها فضلاً عن التجارة بها والتي أٌسست لها أجهزة كاملة في مختلف الدول باسم أجهزة مكافحة المخدرات. بل المقصود بمخدرات الطغاة أنواع خاصة دأب كل من الطغاة والحكومات الاستبدادية على توزيعها وترويجها في أوساط شعوبهم عن طريق الفكر والعقل، والسيطرة عليهما حتى غدت شرائح واسعة من هذه الشعوب تعاني من هذه المخدرات وتتعاطها وحتى أصيب البعض بالإدمان عليها، وأصبح الانعتاق من هذه المخدرات عملاً صعباً وشاقاً جداً لمن أراد التخلص منه، وتتنوع هذه المخدرات وتتعدد أشكالها وكل نوع منها يستهدف فئات معينة من الشعب وسأتعرض هنا فقط ثلاثة أنواع منها:

1-المخدرات الرياضية
يتم الترويج لهذا النوع من المخدرات من خلال تلميع بعض اللاعبين، وجعلهم قدوات لفئات الشباب أو جعل الفوز بإحدى المباريات إنجازاً وطنياً وقومياً لا يشق له غبار، فيعمل الطغاة من خلال وسائل إعلامهم على تضخيم بعض الأحداث الرياضية التي يخوضها المنتخب الوطني لهذا البلد أو ذاك وجعل الفوز أو الخسارة به قضية مصيرية للناس والمعروف أن الشباب يتمتع بالعنفوان والفتوة فيتم توجيه هذه الطاقات الهائلة الى المباريات واللاعبين بدلاً من توجيهها في اتجاهها الصحيح.

التخدير الديني فهدفه حرف الأنظار عما يفعله الحاكم وعدم الدعوة إلى محاسبة الحكام وتقويمهم وذلك من خلال هؤلاء الشيوخ -شيوخ السلاطين-الذين يأخذون من الدين ما يناسب الحاكم وأهواءه ويدعون ما سواهما.

2-المخدرات الفنية
لنعرف الأثر الخطير لهذه المخدرات يكفينا فقط أن ننظر نظرة سريعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي حيث تجد إحدى الفنانات أو أحد الفنانين متابعاً من قبل الملايين بينما تجد عالماً في الفيزياء أو الفلك أو الطب أو غيرها في أي مجال من مجالات العلوم التي تنفع الناس في محياهم لا يتابعه إلا بضعة آلاف قليلة، وكذلك الأمر عندما تنظم الحفلات والمهرجانات ويُستقبل فيها الفنانون استقبال الفاتحين وبعشرات الآلاف، وترقص وتتمايل الجموع طرباً وفرحاً بهم، بينما قد لا تجد في محاضرة لعالم أو مفكر إلا بضعة عشرات هذا إن وجدناهم!

أما القسم الآخر من المخدرات الفنية يتم تسويقها وضخها من خلال المسلسلات والأفلام الهابطة والتي تدغدغ عواطف الشباب من خلال الحديث عن قصص خيالية لا تمت للواقع بصلة أو يتم التركيز فيها على سلبيات معينة في المجتمع وتضخيمها، وبينما يدعي منتجو هذه المسلسلات والأفلام أنهم يريدون معالجة أمراض المجتمع يكون الهدف الحقيقي من تسليط الضوء على هذه الأمور معاكساً تماماً.

3-المخدرات الدينية
وهي باعتقادي أخطر أنواع هذه المخدرات وأشدها تأثيراً في المجتمعات، ويتم ترويجها بطريقتين: الأولى منهما هي الطريقة المباشرة عن طريق شيوخ السلاطين الذين يصدرون الفتاوى بحسب أهواء الحاكم، فما يقوله ويفعله الحاكم أو الزعيم هو الصواب وما سواه هو الخطأ، والخروج على الحاكم حرام حتى وإن نهب وسرق وباع البلاد وظلم العباد، ولمعرفة الحاكم أن هذه الطريقة لم تعد تؤتي ثمارها كما في السابق استعان بالطريقة غير المباشرة عن طريق شيوخ وعلماء قد لا يكون لهم صلة مباشرة بالحاكم، ولكن معظم أحاديثهم تدور في تفصيلات الدين دون الخوض في الأساسيات. فغدت معظم أحاديثهم عن أحكام الوضوء والحيض والصيام دون التعرض لأحاديث الجهاد ومقارعة الطغيان والظلم والوقوف في وجه الحاكم إن طغى وتجبر، فجعلوا الدين محصوراً في المسجد والحياة الخاصة دون إخراجه للحياة العامة.

للتخلص من المخدرات الحقيقة يلزم توعية من أخطارها والخضوع بعد ذلك لفترات علاج ونقاهة، كذلك الأمر بالنسبة للمخدرات الدينية والكروية والفنية يلزم نشر للوعي من خلال الحديث عن أخطار هذه المخدرات وأثرها الضار على الشعوب.

أما السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما الهدف من وراء هذه المخدرات المتنوعة إن صح تشبيهها بهذا الأمر؟
إنها استراتيجية الإلهاء عن طريق التخدير، فلا أحد بالطبع يقف بوجه الرياضة أو وسائل التسلية الصحيحة الأخرى، ولكن حين يتم تحويل هذه الأمور الى قضايا أساسية وجوهرية تشغل المجتمع على مختلف فئاته العمرية والطبقية ويتم من خلالها إزاحة القضايا الهامة كالنهضة والعمران ورفع مستويات الصحة والتعليم والثقافة، وكذلك الأمر الأهم قبل ذلك وهو التخلص من الاحتلالات الأجنبية على اختلاف طرقها ناعمة كانت أو غير ذلك، أقول حين يتم تحويل الرأي العام من هذه القضايا الى قضايا كمباراة كرة قدم أو حفلة فنية فحينها يصح تسمية هذه الأمور بالمخدرات، فهي تخدر همم المجتمعات وتدفعها للسكوت والرضا بما هو موجود وعدم التفكير بالتغيير والإصلاح والتقدم وغيرها من الأمور الجوهرية التي يكون فيها صلاح المجتمعات ورقيها.

أما التخدير الديني فهدفه حرف الأنظار عما يفعله الحاكم وعدم الدعوة إلى محاسبة الحكام وتقويمهم وذلك من خلال هؤلاء الشيوخ -شيوخ السلاطين-الذين يأخذون من الدين ما يناسب الحاكم وأهواءه ويدعون ما سواهما.

يقول نعوم تشومسكي في كتابه (أسلحة صامتة لحروب هادئة): "اجعل العامة مشغولين مشغولين ولا تمنحهم وقتا ليفكروا أعدهم للمزرعة مع باقي الحيوانات." ويتم هذا الإشغال والإلهاء من خلال هذه المخدرات المتنوعة، والتي لا تدع بعدها مجالاً لفئات الشعب كي تفكر وتبدع وتخرج من ضيق الصناديق التي فرضها الحاكم وأعوانه على عقول الجماهير وأفكارهم.

وكما أنه للتخلص من المخدرات الحقيقة يلزم توعية من أخطارها والخضوع بعد ذلك لفترات علاج ونقاهة، كذلك الأمر بالنسبة للمخدرات الدينية والكروية والفنية يلزم نشر للوعي من خلال الحديث عن أخطار هذه المخدرات وأثرها الضار على الشعوب والمجتمعات، وبعدها يغدو العلاج سهلاً للانعتاق من قيودها التي تكبل المجتمعات والتي تحرف اهتماماتها من اللباب الى القشور والتفاهات وهذه مهمة على الجميع القيام بها.