شعار قسم مدونات

كاتبٌ مِنَ الشرق.. حيث تغرب الشمس دائمًا

blogs كتابة

أنا كاتبٌ من الشرق الأوسط، والكتابةُ هنا محض وظيفة أنفقُ على نفسي منها في شرقٍ ملوثٍ بالدم والأحلام والمذاهب الدينية والحريات التي نطالب بها مُنذ قولةَ حمزة ذات حمية "رُدَها عليَّ إن استطعت" حتى اليوم. في شرقنا هذا، بدأ الكاتبُ عالقًا في ذاكرة الخيل والكر والفر والرفادة القبلية وسقاية الزعماء، ثم انحنى مُبسملًا مدمعزًا في إنشائه وآداب كتابته وتأديب المؤدبين له، ثم مرت به دهريات وانفراجات فلسفية؛ مرت بنا بسرعة حوادث السير وقتلنا كل متفلسف، وبين الحرابات القبلية الدينية وعصر الدويلات والانقلابات وطُرق الدم ومشانق الحاكم بأمر ربه والاستعمار والنهضات.. مات الإنسانُ وما انفكَ موتًا، منذُ طَرَفة وحتى فرج فودة. الكاتبُ مقتولٌ مقتولٌ مقتول.

الكاتبُ دانتي ونيتشه وطاغور، والكاتبُ معري ومتنبي وأبو نؤاس وخيام، والكاتبُ لا يقرأ اليوم خوفًا من مرض دهري يشبه المعري المحذوف أو زندقة على الطريقة النؤاسية الملغية والخيام المُجدِّف، ولم يبقَ إلا شيكات بنكية من خزينة سيف الدولة الذي لا يموت. الكاتبُ موبوءٌ ترك العالم وذاب في بشار الأسد، الكاتبُ واهمٌ طلقَ الكُتب وبدأ يثور مع المخربين في الشام والعراق، الكاتبُ يساريٌ حجبَ زوجته وأمر ابنه الرضيع بالصيام بعد خِتانٍ مُرّ، الكاتبُ يصلي في قصيدته ويكتب باليمين كرهًا بيسارية الكُتب. الكاتبُ يعبدُ ماركس ولا يقرأ يونغ، ويفكر بطريقة حسن البنا ولا يتأقلم مع علي شريعتي. كاتبٌ يعبدُ الله في نصه وكاتبٌ يجلس القرفصاء أمامه ويخدش إيمان الأول. الكاتبُ كريهٌ ويحاول.

الكتابةُ هنا فعلٌ فاضحٌ يطّالُ فذلكةَ الشاعر المحرر والروائي الذي فتح الكون بموقعه الثقافي حيث نصوص من يتفقون معه

من غرائبيات كاتب هذا الزمن تخليده للمسافة الفاصلة بين الله والشيطان، تخيّل أن تكون هذه المسافة "صفر" خوارزمي مُخلد دون زوايا، ويتسع بمقدار لا قيمته في باب القيمة المطلقة، فإما أن تكون ابن الله -المطلق- أو ابن الشيطان -المطلق- وبينهما مسافة اشتعال وتأجج قولبّت الرأي موقفاً ونحّت العقل ليكون غريزة وأمست الفوارق في حضرتها بين موت أصم وحياة صاخبة، فهذا يؤيد الموت بصورة مطلقة وذاك يحارب الموت بصورة مطلقة، وبينهما مسافة الصفر التي لا يمكن أن تجمع بينهما في موت معتدل أو حياة وسطيّة.

 

وكذلك الرأي، هنا مُلحدٌ قصّم ظهر المؤمن أو مؤمن ساهم بشلل أطراف المُلحد، وبينهما مسافة الصفر، فلا يكون المؤمن مؤمناً إلا بغريزته "يقال بأنها فطرة أو سجية أو جبْلة" ولا يكون الملحدُ ملحداً إلا باستدلال يطّال المنطق والمشائية وكلاهما سفسطائي يكسب اللاشيء بأي شيء. أنظر -مثلاً- إلى من يؤيد الثورات العربية على أنظمة الاستبداد (بالاستناد على البدايات فقط) هذا يُقَبِلُ صورة حسني مبارك وآخر يرى بشار الأسد صمام أمان وغيرهما يجعل من صالح موحد اليمنين (مينا العصر)، ومسافة الصفر طبعاً بين هذا الطرف والآخر الذي يرى حسني مبارك أتيلا وبشار الأسد كاليغولا وصالح شمشون الجبار. لقد نسينا معالم المسافة في مدار الصفر وسكرنا بين عدمين بحثاً عن وجود. الكتابةُ هنا فعلٌ فاضحٌ يطّالُ فذلكةَ الشاعر المحرر والروائي الذي فتح الكون بموقعه الثقافي حيث نصوص من يتفقون معه.

كُتَّابٌ شقوا جُملَ الكتابة قبل قرون وآخرون صدعوا قلوبنا لأن الشق كان من نصيب من سبقهم، ونحن هنا نرتق أنسجة النص في زمن حداثي مفرط يتحلى بسنابك الخيل ومركبات "الهايبرد" والجهاد في سبيل الله

الكاتبُ مُتْعَبٌ ومُتْعِبٌ في هذا العالم المجنون، بدايةً من جنائز نشرة الأخبار وحتى سذاجة الوسط الثقافي. من الطبيعي أن نصرخ كثيرًا، وأن نفرغ كبتنا في مواقع التواصل ونعكس قلق وخوف ذواتنا بحثًا عن كرامةٍ أخيرةٍ لذاتنا العُليا بين محبسي الأنا والـهو. كُلنا متعبون، نبحثُ عن أخطاء الآخرين لنعزز ثقتنا بصوابنا، نحدق في كل الناس خوفا من النظر إلى أنفسنا، نخدع النساء ونأخذ منهن كل الأشياء ولا نحترم الرجال ونسفِّهُ مشاعرهم. مأزومون جدًا، نخدش إيمانات بعضنا وندك معاقل رؤانا ولا نقدر ميولنا وإديولوجياتنا التي صحونا معها، وتستمر المعاناة في المسافة "صفر" الفاصلة بين كل ذات وذات لنشكل بهذا هويةً مأزومةً يختلط فيها الآخرون وتقول لها الذوات: "لا مخرج".

كُتَّابٌ شقوا جُملَ الكتابة قبل قرون وآخرون صدعوا قلوبنا لأن الشق كان من نصيب من سبقهم، ونحن هنا نرتق أنسجة النص في زمن حداثي مفرط يتحلى بسنابك الخيل ومركبات "الهايبرد" والجهاد في سبيل الله. الكاتبُ وغدٌ ويكابر، الكاتبُ تَعِبٌ وينتظر راتبه الشهري لأن الخبز لا يُكَيّل بالمقالات.