إلا أن هذا لا يبرر من الناحية الأخلاقية القبول بحملة التشويه والشيطنة الممنهجة التي يتعرضون لها من قبل خصومهم الحريصين على جعل هذا الأمر من المسلمات. بحيث يصبح الدفاع عن الإسلاميين عملا يستحق الخجل. وهنا يبدأ امتحان القيم والوعي والإدراك من وجهة نظري. فخطاب الكراهية الذي يروجه خصوم الإسلاميين -وهم في الغالبية من أنصار الأنظمة المستبدة، والتعصب المذهبي- يطالبك ضمنيا بتنحية قواك الإدراكية قبل الأخلاقية، حين ينكر حسناتهم ويطالبك بتصديق أكاذيبه ومبالغاته في حقهم.
| فكرة الإصلاح السياسي بواسطة الفكر الإسلامي عبر حركة اجتماعية ذات جذور محلية، تأتي كطور طبيعي متصل لحركات الإصلاح السياسي الوطني المعروفة في التاريخ الإسلامي. |
وبدافع من هذا الموقف الأخلاقي دائماً ما أقول: إن بيننا نحن أصحاب التوجهات الليبرالية وبين أصحاب الإسلام السياسي، من نقاط الاتفاق والأهداف المشتركة أكثر مما بيننا وبين غيرهم من التوجهات السياسية. وإن كان الظاهر عكس ذلك. ولنأخذ على سبيل المثال قضيتنا الأساسية، وهي قضية الديمقراطية.
إن من يتأمل المشهد السياسي العربي اليوم بموضوعية لا بد أن يصل معنا إلى قناعة بأن جماعات الإسلام السياسي هي أقرب الجماعات السياسية العربية إلى نصرة الديمقراطية، وأقدرها على توطينها في حياتنا السياسية. بعد أن سقط الرهان على التيار اليساري، وما يسمى زوراً بالأحزاب الوطنية. فهذه الأخيرة لا تعدو أن تكون تجمعات طفيلية تعلق تلقائياً بكرسي الحكم كما تعلق الطحالب بالسفن الراسية في قعر البحر.
كيفما كان لون هذا النظام السياسي أو طعمه أو رائحته. أما تيار اليسار فقد كانت له من البداية أيديولوجيا معادية للديمقراطية الليبرالية، باعتبار هذه الأخيرة منتجاً برجوازياً رأسمالياً مقيتاً. وعندما تحطمت التجربة الاشتراكية تحت صخرة البرسترويكا الحتمية. وجد معظم اليساريين أنفسهم بلا مشروع سياسي حقيقي، سوى المناداة بالعلمانية ومعاداة الإسلاميين، حتى لو أدى ذلك إلى الوقوف في صف البيادات العسكرية المستبدة. أي أن اليسار في أحسن أحواله يجعل للعلمانية -وليس الديمقراطية- أولوية في مشروعه السياسي؛ لاعتقاده -غير العلمي- بأن مشكلتنا مع الدين لا مع الاستبداد.
| مهما كان سيرهم بطيئاً نحو الديمقراطية في نظرنا، فإنهم يظلون الأكثر موثوقية لحمل هذا المشروع، وما علينا كما أسلفت إلا تشجيعهم على تحسين أدائهم السياسي ومراجعة أدبياتهم الفكرية. |
صحيح أن موقف الإسلاميين من الديمقراطية ليس مثالياً في هذه اللحظة، غير أنهم بوقوفهم الصلب في وجه الأنظمة القمعية، وبتجربتهم الحزبية الناجحة ديمقراطياً، وبقابلية أجيالهم للتطور، يصبحون أكثر أهلية من غيرهم لحمل مشروع الديمقراطية في المنطقة العربية. وهو الأمر الذي يدعو إلى تشجيعهم، في سبيل تحسين الناتج القومي للديمقراطية؛ والنظر إليهم باعتبارهم التطور الطبيعي لحركات الإصلاح الوطني التاريخية في بلدانهم.
ففي حين أن فكرة اليسار قد نبتت خارج حدود الجغرافيا والتاريخ والثقافة العربية. وفي حين أن التعويل على ما يسمى بالأحزاب الوطنية لإحداث تغيير، هو كالتعويل على الذئب في حراسة الغنم. فإن فكرة الإصلاح السياسي بواسطة الفكر الإسلامي عبر حركة اجتماعية ذات جذور محلية، تأتي كطور طبيعي متصل لحركات الإصلاح السياسي الوطني المعروفة في التاريخ الإسلامي.
وفكرة التطور هنا يجب أن تكون حاضرة ونحن نحاكم تجربة الإسلاميين. إذ مهما كان سيرهم بطيئاً نحو الديمقراطية في نظرنا، فإنهم يظلون الأكثر موثوقية لحمل هذا المشروع، للاعتبارات المذكورة سلفاً ولا اعتبارات أخرى لا مجال لذكرها الآن. وما علينا كما أسلفت إلا تشجيعهم على تحسين أدائهم السياسي ومراجعة أدبياتهم الفكرية، في سبيل زيادة الناتج القومي العام للديمقراطية. ولا برهان على ما نقول أكثر من هذا الواقع الذي نعيشه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

