ثقافة القطيع.. وجيل النصر!

blogs الفتوحات الإسلامية

لا يحق لك أن تناقش، لا يحق لك إبداء رأيك فهو ليس من شأنك! هكذا يقولون لك عند إظهار عيوبهم ونواقصهم! يحضُرني قول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران الآية 139″وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".. وفي هذه الآية قانون صريح جدا، فالعلّو والنصر يتحققان بشرطِ الإيمان.. والسُّؤال هنا هو لماذا لم ينصُرنا الله عزّ وجل بعدُ رغم تعدد الحركات الإسلامية والأفكار المتبنّاة من أجل إعادة مجد الأمة الإسلامية وإعادة الخلافة ونُصرة الله في الأرض والتّمكين لدينه.

المشكل هنا واضح جدًّا وهو مشكل إيمان كيف ذلك؟.. هذا لا يعني أننا غير مُؤمنين ولكن إيمانُنا ناقِص.. نعم ينقصه الإخلاص التام لله، وهنا الكلام ليس كأفراد فالله أعلم بالنوايا والسرائر، ولكن الكلام كجماعات، فكأفراد كلٌّ مسؤول عن عمله وعن نيته وسيحاسب على ذلك ولكن كجماعة، الله عز وجل لن يمكِّن لدينه إلا من استوفى الشُّروط، فقد أفرد الدكتور مجدي الهلالي في كتابه "الجيل الموعود بالنصر والتمكين" بعضاً من هذه الصفات وهي: الإخلاص، تمكُّن حب الله من القلب، الخوف من الله، جيل عابد، التواضع، الزهد في الدنيا، جيل مجاهد، الصبر والثبات، الاعتدال والتوازن، جيل مترابط متآخ..

فالعبرة ليست بالكمّ وإنما بالجودة وإلاَّ لمَا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربِّي الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ولمَا فرض الله عزّ وجل على الصّحابة الأولين قيام الليل عاما كاملاً، فهنا تتجلّى أهمية إعداد الأفراد إعدادا حقيقيا، سويا، متينا، إعدادا بالقرآن من جميع الجوانب فالقرآن هو الوسيلة الوحيدة التي تحرك جميع مشاعر الإنسان بشكلٍ متناسق ومتزن، وتجعله يجول في ما وراء الطبيعة ويتعرف على الذات الإلهية من خلال صفاته سبحانه وتعالى، وتسمو بروحه إلى آفاق راقية، وتعطي عقله نضجا عجيباً تجعله يرى الدنيا على حقيقتها، ولا يطمع من حطامها في شيء فهي الزائلة الفانية..

لا يعني عدم الاهتمام بالكمّ ولكن لا يكون على حساب الإعداد والتربية الحقيقية بالقرآن، فعلى قدر الجهد الذي سيبذله أبناء الجيل الموعود في إيقاظ الأمة يكون المدد والتأييد من الله عز وجل

وكما نلاحظ على مرّ التاريخ، دائما ما تكون هناك طَليعة تكون سبباً في جلبِ النصر وعلى رأس هذه الطليعة يكون قائد مسلم رباني مجاهد مخلصٌ لله، فهذا صلاح الدين الأيوبي، وهذا يوسف بن تاشفين، وهذا محمد الفاتح، وهذا قطز رحمه الله.. ومن أمثلة ذلك الكثير.

نحن نتحدّث هنا عن التمكين وإعادة أمجاد الأمة، ولا نتحدث عن العمل الدّعوي، الأعمال الخيرية ونصح الناس ومساعدتهم وإرشادهم، والاستكثار من الحسنات والأجر، فكلٌّ في مكانه، فالنصر لا يتأتّى إلا بطليعة معدّة إعدادا حقيقياً ربانياً لا تشوبه شوائب الأمراض القلبية، كالعُجب والغرور والكِبْر وحب الدنيا ..

وهذا لا يعني عدم الاهتمام بالكمّ ولكن لا يكون على حساب الإعداد والتربية الحقيقية بالقرآن، فعلى قدر الجهد الذي سيبذله أبناء الجيل الموعود في إيقاظ الأمة يكون المدد والتأييد من الله عز وجل.

أفلا نعتبر !
بغداد كانت ممتلئة علماء وفقهاء وحلقات ذكر ودروس في المساجد، وتكريم الحفاظ، وتبجيل الوُعَّاظ..الخ، لكن مع دخول التتار إليها قتلوا مليون شخص! وهذا راجع إلى أسباب عديدة منها ركونهم وحبهم للدنيا وإجماعهم على الاستسلام وعدم الجهاد إلا من رحم الله.. فلو خرج أهل بغداد الذين يُقدرون بالملايين مع جيشهم وقاتلوا لقضوا على جيش التتار.. ولكن الهوان الذي أصابهم منعهم من الجهاد وفضلوا الاختباء بدلا من ذلك!

حكمة1: ليست العبرة بكثرة العدد ولا بالعلم بل العبرة بالإخلاص التام لله عزّ وجل..
حكمة2: ليست العبرة بكثرة سنين الدعوة إلى الله، بل العبرة بالثبات في المحكّات. 

توسيد الأمور لغير أهلها لا تجلب النصر، بل يجب الاعتبار من التاريخ والاستفاقة على الحقائق وقوانين النصر والعمل على إعداد الجيل القرآني فـ10 أفراد ربّانيين أفضل من 10000 عاديين

خرج قطز -رحمه الله- بجيشه المتواضع بالنسبة لأعداد التتار الهائلة وهزم التتار في موقعة عين جالوت الشهيرة وأُبيد جيشُ التتار عن آخره. فكيف تمكّن قطز من إيقاف الإعصار التتري الذي قدِم من أقصى شرق آسيا حتى تقريبا شرق إفريقيا ودمّر أغلب المدن الإسلامية وقتل الخليفة في عقر داره!

نعم.. لقد كان جيلا غير الأجيال التي كان يمر عليها التتار فقد قاتلوا من أجل نصرة الإسلام وليس من أجل البقاء على قيد الحياة، وكما ذُكر في كتاب البداية والنهاية أن قطز لم تتجاوز مدة حكمه عاما!، إلاَّ أنّه كان صادقا في جهاده، مُخلصا في عمله، فجاء النصر والتمكين على يديه.

حكمة: ليست العبرة بالعدد والعدة، بل بالصدق والإخلاص أيضا، فقطز فعل في أشهر عديدة ما عجز عنه السلاطين والملوك عن فعله في أعوام عديدة.

لذلك، ثقافة القطيع، غلقُ الأعين وتنفيذ الأوامر والعلاقة الجوفاء بين القيادة والجندية، والوساطات والمعاملات على أساس الحَسب والنسب، وتقديمُ الأهل والمعارف، وتوسيد الأمور لغير أهلها لا تجلب النصر، بل يجب الاعتبار من التاريخ والاستفاقة على الحقائق وقوانين النصر والعمل على إعداد الجيل القرآني فـ10 أفراد ربّانيين أفضل من 10000 عاديين.