لم نرد يوما أن نرحل

بعضهم عاد هذا العام يسقي للأعياد أيامها وبعضهم حالت دونه المطارات والمسافات، حاضر فينا تساؤل الغربة التي لا تنتهي نستقبلهم ونودعهم مرة أخرى ونحيي ذكرى الغائبين! لهذه المواسم إحساس تجدده بأننا محاصرون بين فقد من رحلوا بعيدا ومخاوف القادم الخالي من كثر سيكونون يوما في حساب الفقد والغياب. الأيام التي تنزف من نحب بعيدا عنا كل يوم لا تخبرنا سوى أن العروبة التي في بني السودان ليست في شيء إلا ارتحالهم الذي لا ينتهي. 
السفر والهجرة مرادفات لا بد أن تختم قصة الحلم الإنساني البسيط لكل شاب في بلادي، حيث صار من الصعب أن تحادث أحدهم دون أن يتطرق إلى فصل من البعد عن الوطن لتحقيق إنجاز أكاديمي أو مهني أو اجتماعي، السفر والهجرة باتت فريضة يفرضها واقع المعيشة في بلادي حيث أبسط أولويات الحياة تؤرق مضاجعهم الغضة.

حين تصبح الأبجديات أحلام كامتلاك منزل أو سيارة، والحصول على الموقع الوظيفي الذي يلائم مؤهلك العلمي الأعلى من نوعه، فتصدم أن العمل غير موجود وإن وجد فهو لن يصل بك لتحقيق سابقتي الذكر، تتملكك مخاوف من مسؤوليات إعالة أسرة وأخرى صغيرة ستأتي يوما ومعها هموم من نوع جودة التعليم والترفيه، فتفكر أن تلك في حد ذاتها ترف تخطيطي منك. تعود بك الأفكار لأعباء يومية لأسرة تساعد في إعالتها أو لربما مصروفات تعليم جامعي أو تخصص مهني. كل ذلك يتقلص في لحظة ويحدث له أن يصير واقعا يسيرا جدا فقط وراء حدود دولة أخرى.

في الانتظار تتنازعنا إرادات البقاء لأننا لم نرد يوما أن نرحل، لأجل قلوب الأمهات التي تقسمت بين البلاد، لأمل ربما تتشقق عنه قسوة أيام ترفل ضيقا بالأحلام المختنقة، انتظار فيه أرواحنا مقسومة بين شتات الأراضي التي تفتح يديها، وقرار أوطان تلفظ بنا بعيدا.

الشباب في بلادي يعانون مما يمكن أن نصفها بمتلازمة "ابن البلد" الذي ينام ويستيقظ ويعيش على أرضه التي يراها تسع كل شيء ولا تضيق سوى بطموحاته وأحلامه التي تكبر على أرض أخرى. اعتدنا نحن فكرة الأفضل الذي يمكن أن يتحقق في كل مكان إلا الوطن، كيف لا والسفر والهجرة واللجوء ما عادت محصورة على دول العالم الأول ومدن الناطحات وأرض الفرص، بضعة خطوط حدودية فقط صارت كافية لمنحنا الفرصة حيث تتسع البلاد الغريبة لنا أيما متسع ويخنقنا تساؤل الأوطان التي لا تضيق إلا بإنسانها.

كيف ولماذا؟ الأوطان لنا نحن ويعبث بها الساسة والمهرجون، ماذا نملك بالتحديد وماذا لا نملك فيها الأرض ننبنيها ونزرعها وتقتلع غصبا حين يحدث أو لا نملكها منذ البدء! أم لنا الماء والهواء والضوء نقيم به حاجة أجسامنا الحيوية، فنربو ونبلغ أشدنا لنرحل! أم  لنا منها مقاطع القصائد الثورية ونشيدنا الوطني لتكون أنيسنا الأحب في غربتنا. على رقعة وطن يمكنهم ببساطة قتلنا وإخراجنا خارجها كيف نكون نحن اللاعبين ولسنا الأحجار؟

لجيلنا في بلدي تغريبة طويلة الأمد يبدأها في بلاده التي لم تكف عقود من الزمن لتغيير ساستها وأنظمتها ولم تكف لتنحى سطوة وعي آخر لا يزال يمجد الطرق ويتغنى بالمعابر الأسمنتية ويقدس الخبز والبنزين، وعي جيل غابر جعل منهم غرباء في مجتمعات تقصيهم وتطبق على أطماحهم بحريات وحقوق على أنها ترف وتجرم تطلعاتهم لواقع أفضل، بينما في مكان آخر على هذه الأرض ذات العقود الزمنية وذات التطلعات تمنح من في مثل سنهم فرصة أن يقود أمة.

المقاربة التي يقارن فيها المجتمع بين الجيل الشاب اليوم والذي سبقه ويدمغه فيها بكسل الهمم والهروب إلى حيث تسهل الخيارات حين يتخذون خيار الهجرة والسفر هي مقاربة مجحفة وغير منطقية بين أزمنة اختلفت فيها التركيبة الاجتماعية والسياسية والمادية لأدق تفاصيل حياتنا، اختلف معها سياق الممكنات والتطلعات لشاب في مقتبل عمره يعرف حقه وممكناته، يرفض التماهي مع واقع يقدم له أقل مما يستحق ويرفض أن يلجأ لواسطة تضعه في مكان ليس له ويأبى أن لا يصح في الأشياء إلا الصحيح، جيل يدرك تماما أن التمرد على واقع غير معافى في حد ذاته علامة تعاف فلا يخاف أن تتطرف به الخيارات وراء حدود بلاد بعيدة على أن يعيش شقة الغربة في وطنه، غريبا عن طموحاته وأحلامه وإنسانيته.

في كل عيد أعد الذين غابوا عنه من الأصدقاء، أتذكر اللحظات التي جمعتني بهم، أقساها وأحلاها، وجوههم، مقولاتهم وابتساماتهم، أدعو لهم بالكثير من الرضا والسعادة والممكن الذي لم يكن ممكنا، وهم بيننا.

ما يتداوله الإعلام اليومي في بلادي عن هجرة العقول والكفاءات وقصص التهريب البشري لا يزن شيء أمام ثقل الحقيقة التي تطبق عليك وأنت تستيقظ كل يوم لتودع صديق، أخ، أو قريب وتنام في انتظار اليوم الذي يأتي فيه دورك.

في الانتظار تتنازعنا إرادات البقاء لأننا ببساطة لم نرد يوما أن نرحل، لأجل قلوب الأمهات التي تقسمت بين البلاد، لأمل ربما تتشقق عنه قسوة أيام ترفل ضيقا بالأحلام المختنقة، انتظار فيه أرواحنا مقسومة بين شتات الأراضي المترامية التي تفتح يديها وقرار أوطان تلفظ بنا بعيدا، الخوف مقسوم بين قادم الخيارات المتطرفة والقاسية، وأمان أن الخيار لا يزال موجودا، والفرح مقسوم بين أمل والكثير من الألم أنه لم يأت مفصلا على مقاس الأمنيات حيث الأحبة والأرض ونحن.

في الانتظار غدا من أكبر همومنا تلك التي تتآكلنا صديق يسافر غدا، وكل الغربة إحساسك الدائم أنك تنتظر، في الانتظار ذكرى من رحلوا بنا يوما، المواسم التي جمعتنا بهم كيف تتوالى في غيابهم وتفقد بريقها، الأماكن التي كانوا يملأون وفرغت من بعدهم والأفراح التي تتعاقب وتذبل في غيابهم وتضمحل.

في كل عيد أعد الذين غابوا عنه من الأصدقاء، أتذكر اللحظات التي جمعتني بهم، أقساها وأحلاها، وجوههم، مقولاتهم وابتساماتهم، أدعو لهم بالكثير من الرضا والسعادة والممكن الذي لم يكن ممكنا، وهم بيننا، الذين خرجوا بحثا عن حياة بكاملها ماضون همهم ما أهمهم، لا تساومهم المسافات على قادم أفضل لهم ولأوطانهم وبنيهم، متسع أكبر لإنسانيتهم، تتحقق فيه ذواتهم، يكونون يوما ما يريدون فيعطون ويبنون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتجه كبرى شركات التكنولوجيا الطبية إلى أجهزة الإنسان الآلي "الروبوت" للمساعدة في جراحات الركبة المعقدة، متعهدة بإجراءات أسرع ونتائج أفضل في عمليات غالبا ما تخلف لدى المرضى شعورا بعدم الارتياح.

الأكثر قراءة