عندما تخوض حربا ضد نفسك

عندما يعلو صوتك في صراخ باكيا معلنا قدومك إلى الدنيا، تكون قد أعلنت أنك كسبت حربك الأولى من أجل البقاء حرب ينساها الجميع، بل يتجاهل ذكرها الجميع، فهذه الحرب حربك الفردية وأثبت نفسك بها لوحدك وبخوضها نلت استحقاق نصرك، وشرعية قدومك إلى الحياة، ولكن هل كنت تعلم أن بفوزك بتلك الحرب لا يعطيك شرعية للحياة كريمة ومكانة عريقة، فكل من وطئ الأرض خاض حربه من أجل إثبات حقه في الحياة، أما كيف تعيش؟ وأين تعيش؟ مع من تعيش؟ فإنها تقع ضمن صراع جديد تخوضه حسب إمكانياتك الخاصة ودعم المقدم ممن كان سبب في قدومك إلى الدنيا، الأهل والأقارب، وآخرين العامل الخارجي الفرص والصدفات وطفرات التي لا يمكن التحكم بها، إلا أن أهم عنصر يبقى أنت، فهل تقبل بما وجدت الحال عليه، هل ما وفر لك مرضي عنه أم أكثر من المطلوب، أو لا يرتقي إلى المستوى المطلوب.

يبدأ صراع بينك وبين نفسك مع الطفولة المبكرة، عندما تسأل نفسك ماذا تريد وتقاتل للحصول على كل ما يمكن أن تصله يدك، وفي محاولة نطق كلماتك الأولى، و تخوض تحدي لإثبات نفسك عندما تبدأ بالزحف على يديك ورجليك محاولا السير على قدمين، إلا أن أكبر حروب تخوضها مع نفسك تلك التي لم تكن تحسب لها حساب، تلك الحروب التي تخالف معتقداتك وعاداتك وقيمك وأهدافك من الحياة، وغالبا تكون هذه الحروب ذات تأثير خارجي، فأنت تريد وغيرك يريد، وأنت تقدر على الصمود ونيل ما تريد ونصر في حرب ولكن قد تخسر فيها بمقدار ما كسبت أو أكثر بكثير وربما بحربك وانتصارك تكسب أكثر مما كنت تتوقع، فحرب الإنسان مع نفسه مجهولة العواقب.

عندما بدأت بخوض حربك مع نفسك كنت ترغب في كسب حق الحياة وإثبات الذات، إلا أن حربك مع نفسك لم تعد تشمل ذلك، بل تعدتها لتشمل إثبات نفسك أمام الأهل والأقارب والزوج والأبناء، مديرك في العمل، وإذا ما كنت في دولة من الدول القمعية، فأكيد رضاء الأجهزة الأمنية، ورئيس البلدية، والمحافظ، وكل من يحمل مسمى حكومي وصولا إلى رئيس الدولة، يجب أن يكون ضمن حسابات حربك الداخلية، وهنا يتمايز الإنسان مع الابتلاءات تختبر المواقف، وتعرف مقدار ثقة الإنسان بقدراته وإيمانه بمعتقداته، وما يزيد الحرب على نفس الخسائر المادية وربما الجسدية، فالعلاقة بين المواقف والمعتقدات عكسية مع المكاسب المادية والاجتماعية والسلطوية.

احرص في حربك ضد نفسك فهي تحدد مصيرك ومع من تقف وماذا ستكسب، وكيف تعيش، خض حربك بهدوء وتأني، واكسب حربك ولا تخرج صفر اليدين، واعرض كل أمرك على قلبك فلن يخونك، ولا تخشى غير ربك في عملك

وهنا يجب أن تحسم حربك ضد نفسك مع من تقف مع معتقداتك وما تؤمن به أو المكاسب المادية والاجتماعية، وهذا أكبر حرب يخوضها الإنسان ضد نفسه، فمكسب أحدهم قد لا يعوض الأخر، وكلاهما هدف مشروع من أجل البقاء، ونيل الحياة التي يطمح بها، وهذا ما يميز بين الإنسان والآخر، فهذا يختار معتقد، وذلك يختار المادة، وآخر يختار سلطة، وغيرهم يقف وراء معتقداته فلا يتزحزح أو يلين، ومنهم من مزج بين هذا الخيار وذلك وينجح في توفيق بينهم، ومنهم من يخسر حربه ولا يكسب أي منهم.

 

في هذه الحرب الكبرى التي يخوضها الجميع ومستمرة منذ خلق الإنسان، وباقية ما بقيت البشرية، في هذه الحرب يبحث الجميع عن الحلفاء ومن يتفق معهم في الموقف، في هذه الحرب لا يستطيع الإنسان خوضها منفردا، فيلتقي أصحاب المصالح والمادة، ويتحد ملاك سلطة، ويتوافق أبناء المواقف، وتبنا المعتقدات، فاحرص في حربك ضد نفسك فهي تحدد مصيرك ومع من تقف وماذا ستكسب، وكيف تعيش، خض حربك بهدوء وتأني، واكسب حربك ولا تخرج صفر اليدين، واعرض كل أمرك على قلبك فلن يخونك، ولا تخشى غير ربك في عملك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال المدير التنفيذي للخطوط الجوية القطرية أكبر الباكر إن الشركة في طور إبرام صفقات لاقتناء طائرات جديدة، معتبرا أن الحصار المضروب على دولة قطر أمر غير مقبول.

الأكثر قراءة