خُلقنا لنفترق

كُتب علينا الافتراق في الدنيا، باختيارنا أو رغماً عنّا. فنزاعٌ وخصامٌ قد يجرّنا إلى افتراق، أو موتٌ يجبرنا على الفراق. ولو كان الافتراق بالخصام أمرٌ لا يُعلم بقدومه – وقد لا يحدث من الأساس – فإن الموت حقيقة لها ميعاد، حقيقة كل نفسٍ ستعرفها.

يسبق الافتراق اجتماع، وأيّ اجتماع بين كائنين يكن فيه كتابة تاريخهم، يكن فيه أحداث ومواقف توضع لاحقاً في خانة الذكريات. ومن الطبيعي أنه لا يجتمع اثنين إلا لو كان هناك توافق ومودة بينهما. ومن الطبيعي أيضاً أنهم يتمنوا أن يطول ارتباطهم معاً. لذا إذا جاء الفراق يقوم بقطع هذا الترابط القائم بينهما، ويوقفهم من استكمال كتابة ماضيهم معاً، لذلك يكون الفراق حزناً. وقد يكون الفراق فرحاً أيضاً. ففراق اثنين – قد جمعتهم الظروف رغماً عنهم – لا يتقبّلان بعضهم البعض يكون فرحاً لكليهما.

ولكن الافتراق قد لا يكون له معني أحياناً، وقد يكون له معني أحياناً آخري. أي.. قد تفترق بدون افتراق، أو تجتمع وأنت مفارق، لأنّ للفراق نوعان، فراقٌ جسديّ وآخر روحيّ.

الإنسان من جسدٍ وروح، وبدون الروح يذبل الجسد ولا تعد له أهمية. لذا إن افترقت الأرواح واجتمعت الأجساد، سيظل الفراق قائم. فأجساد بلا روح لا يكن لها ارتباط وإن تلاقت

فراقٌ جسدي، تتوقف فيه الأجساد عن التلاقي وتمنع الأسباب لقائهما. فإن كانت الأرواح -في الفراق الجسديّ- غير مترابطة، فيمرّ الافتراق سريعا ويُنسي. أما إن كانت الأرواح مترابطة، فالفراق الجسدي قد لا يُسمي فراقاً، لأن كلاً من المفارقين ترابطت أرواحهم، فبقليل من الخيال والتذكّر يستطيع كلاً منهما تجسيد جسد الأخر أمامه ويجتمع به.

وفراقٌ روحيّ، وهو قد يعلوا الفراق الجسديّ في شدّته. الإنسان من جسدٍ وروح، وبدون الروح يذبل الجسد ولا تعد له أهمية. لذا إن افترقت الأرواح واجتمعت الأجساد، سيظل الفراق قائم. فأجساد بلا روح لا يكن لها ارتباط وإن تلاقت.

ولا يكون الافتراق مع البشر فقط. فَبيتٌ نشأت فيه وتواجدت فيه ذكرياتك، قد ترتبط به جسدياً وروحياً. فإن انتقلت منه فإنك حتماً تفارقه جسديا، لكن ليس من الضروري روحياً أيضاً. ولأنه جماد، ليس له روح. لذلك أنت من تخلق روحه بنفسك داخلك. تحييها وتميتها متي شئت.

كذلك الصلاة !..- دعنا نجسّدها بالمحراب – تجتمع بها جسديا خمس مرات يومياً، لكن ليس من الضروري روحياً. فقد تصلي مؤديا حركات جسدية فقط بلا روح أو معني، ولذلك تكون الصلاة عليك ثقيلة طالما لم ترتبط روحياً بها. أمّا إن كان هناك ارتباطاً روحياً، ففي أي مكان تَصلح فيه الصلاة يمكنك أن تلتقي بها جسدياً وروحياً. 

التعلق بأي شيء فاني لن يفيد. لأن الافتراق أمرٌ محسوم. أمّا في الجنة، هناك خلودٌ لا موت، لقاءٌ لا فراق

قد تختلف أراء الناس في هَوان الافتراق، فهناك من يقول أن فراق الجسد أهون من فراق الروح والعكس، فلمن لا يرغب في تعذيب نفسه شوقاً إلي أحد، ففراق الروح أهون له من الفراق الجسدي. فإنه إن افترق جسديا وبقي ارتباطه روحياً، فأنه حتماً سيتذكّر، ومع التذكّر نحيب وبكاء.

أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجازى به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس".. فالتعلق بأي شيء فاني لن يفيد. لأن الافتراق أمرٌ محسوم. أمّا في الجنة، هناك خلودٌ لا موت، لقاءٌ لا فراق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت مصادر ليبية إن نحو أربعين مهاجرا غير نظامي اعتبروا في عداد المفقودين بعد انقلاب قارب كان يقل عشرات الأشخاص قبالة سواحل طرابلس، في حين تم إنقاذ 85 بمساعدة الصيادين.

الأكثر قراءة