المُتسلّطون ينهارون دراماتيكياً

لو علم طائر الغراب الأسود المسكين كم يُكنّ له الإنسان من كراهية واستعداء بصفته "نذير شؤم" كما يدعي؛ لمَا عاش لحظة واحدة جرّاء حالة اليأس التي كانت ستنتابه وحالة الصدمة التي كانت ستغشاه من منقاره إلى أظفاره. ولكن ذلك الغراب سعيد الحظ بامتياز لأنه لا يفهم لغة البشر، فهو تلقائيا لا يعير اهتماما لأحد من الناس ولا يكترث بأحاسيس البشر البتّة، وهذا ما يعزز الشعور بالقهر أكثر لدى بعض البشر ممن يتبنون تلك الرؤية التشاؤمية بهذا الطائر البريء.
لو سألنا أنفسنا سؤالا منطقيا؛ لماذا يكره بعض الناس طائر الغراب ويحمّلوه ما لا يحتمل من تلك الرُّؤى التشاؤمية؟ وهل فعلا أنه إذا حطّ على مكان ما فإنه سيكتب البلايا وسيقدّر الأحزان على سكانه؟ من يجيبني؟ حسنا؛ إن الإجابة على هذا التساؤل سيكون محرجا لنا نحن البشر، فنحن بنو آدم مَن نُحمّل الأشياء فوق طاقتها، ثم ننصب أنفسنا قضاة عليها، ثم نحكم عليها بما يروق لنا وعلى مزاجنا، ثم نمارس دور الجلاد بحقها، ثم نجلدها ونحن نستمتع ونتلذذ بممارساتنا العدمية بحق تلك الأشياء دون أن نراجع أنفسنا!

في كثير من المؤسسات ينطبق هذا الواقع على فئة من الناس، فهم يمارسون مجموعة من الأدوار في وقت واحد، كتلك الممارسة بحق ذاك الغراب وتلك الأشياء، والمصيبة هي أن من يمنح هؤلاء هذا التجاوز الخطير هما أمران لا ثالث لهما؛ الأول هو هشاشة الهياكل التشغيلية التي تتبنى البيروقراطية العتيقة كطريقة منهجية ووحيدة للعمل وهي من تمنحهم هذا التجرُّؤ على الولوغ في ممارسة مثل هذه السلوكيات السلبية. أما الثاني فهو اللامبالاة المقيتة القاهرة التي يتصف بها بعض العاملين في المؤسسات نفسها فيمارسون هم الآخرين دور الكومبرس الذي يؤدي الدور المطلوب منه حرفيا وبحذافيره دون أن يكون محرّكا رئيسيا في عجلة التغيير الافتراضية نحو الأفضل.

يجب على العاملين في المؤسسة أن يؤمنوا إيمانا قاطعا بمبدأ تجريف مقاومي التغيير أو مساعدتهم على تقبل التغيير باعتباراته الإيجابية لأن الاستكانة إليهم تودي بالتأكيد إلى تمهيد الطريق أمام عنصر الضمور الخطير.

قرأت قبل أيام مقالا مهما يتحدث عن "مقاومة التغيير"، ما أزعجني فيه حقيقة ذكرها الكاتب، وهي أن التغيير يكون محكوما عليه بالرفض التام والمطلق عند بعض المسؤولين كونهم مستفيدين من تلك الحالة القائمة، وبالتالي فإنهم يعمدون إلى مقاومة التغيير لأنه سيحدث "تخريبا" لمصالحهم الشخصية، بينما هو في حقيقة الأمر يخدم المؤسسة ويعزز وجودها ويدفع عجلتها نحو التطوير والمؤسساتية الفاعلة. متى سيتحول قادة المؤسسات إلى قادة حقيقيون وليسوا مجرد ممارسين بيروقراطيين أو مدراء تنفيذيين أو أدوات تشغيلية؟

العناية بالأفكار التي يقدمها العاملون في المؤسسة إلى قادتهم والسماح لهم بطرحها تستحق أن يكون لها قراءة واقعية موضوعية؛ وبالمناسبة فهي لا تنصبُّ في إطار الهدم وترجيع المؤسسة إلى الوراء، لا، بل إنها تساعد على تجاوز عنصر الضمور الخطير الذي يهدد الوصول إلى مخ وعصب المؤسسة، فالجميع (قادة وعاملين) لا يتمنون مطلقا أن تنهار مؤسستهم أو أن تسقط.

ما هو المطلوب إذن؟
إن المطلوب هو أن نتحرر من شيئين اثنين، الأول – على مبدأ حسن النية – يجب على قادة المؤسسات الذين يمتازون بالجرأة أن يتحرروا من الخوف الذي يعتريهم ويتوجّسون من بعض العاملين معهم لأنهم يحبونهم ويسعون إلى صلاح المؤسسة، والثاني – على مبدأ سوء النية – يجب على العاملين في المؤسسة أن يؤمنوا إيمانا قاطعا بمبدأ تجريف مقاومي التغيير أو مساعدتهم على تقبل التغيير باعتباراته الإيجابية لأن الاستكانة إليهم تودي بالتأكيد إلى تمهيد الطريق أمام عنصر الضمور الخطير لغزو مخ وعصب المؤسسة وبالتالي الوصول إلى النتيجة التلقائية الانهيار الدراماتيكي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أصدرت منظمة أوكسفام فيلما وثائقيا جديدا بعنوان "التطويق" يتناول معاناة البدو الفلسطينيين بالضفة الغربية في ظل الاحتلال الإسرائيلي، حيث يعيش هؤلاء البدو دون موارد أساسية ويتعرضون لخطر النقل القسري.

الأكثر قراءة