الحركة الإسلامية وصناعة الفهم

رغم الحث على المعرفة في أول آية نزلت من كتاب الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾، إلا أنها في حقيقتها دعوة للفهم الموصول بالإيمان، فهم وفق القوانين الربانية، وقوله سبحانه وتعالى بعدها ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، يدل على حقيقة الفهم المقصود، إنه فهم ينطلق من قاعدة إيمانية صلبة، فهم وفق مراد الخالق سبحانه وتعالى، إذن الإيمان أولا، فلا فهم بدون إيمان. ومن خلال هاتين الخصلتين ندرك أنهما أساس الدعوة والجهاد، فمتى تحصلت الجماعة على الإيمان والفهم، جاز لها أن تنطلق في ميدان الدعوة والجهاد، وفق مقتضيات واقعها، ومتطلبات عصرها.

والعمل يكون بقدر اختلاط الإيمان بالفهم، فهما متلازمان، فمتى آمنت فلا بد أن تفهم حقيقة الإيمان، ودوره في الحياة، وحقيقة علاقتك بالمجتمع، وعلاقة الجماعة ببعضها، علاقة الفرد بالجماعة، وعلاقة الجماعة بالفرد، وعلاقة المجتمع المؤمن بأهل الديانات الأخرى في البلد. وسنجد التباين في الفهم، عند المجتمع المسلم، فالبعض يفهم الإيمان فهما شموليا بسرعة فائقة، والبعض الآخر يفهم يسيره بسرعة، ويحتاج سنين طويلة، وربما سني حياته كلها، حتى يفهم مقتضيات الإيمان. ولا أجد مثالا راقيا للفهم الشمولي السريع، إلا ما كان من الأنصار، لقد التقى أولئك الأخيار، برسول الله ﷺ ثلاث مرات، خلال ثلاثة أعوام، فكان فهما عجيبا، واللقاءات على النحو التالي:

دور الحركة الإسلامية، فهو التواصل مع مجتمعها بكل مكوناته وطوائفه؛ لتحقيق فهم شمولي، إلا أن خطوتها الأولى، ينبغي أن تكون باتجاه كوادرها وأنصارها، فتطلعهم على التفاصيل المهمة، والقرارات الكبيرة، دون إبطاء أو غموض، وواجب الشباب ألا يطلقوا سهام التخوين والتكفير.

اللقاء الأول: كان اللقاء الأول في السنة الحادية عشرة للبعثة، التقى النبي بستة نفر من الخزرج عند العقبة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، ورجعوا إلى قومهم منذرين.

اللقاء الثانيهذا اللقاء هو بيعة العقبة الأولى، في السنة الثانية عشرة للبعثة، يقول ابن كثير في كتابه "الفصول في سيرة الرسول": "إذ جاء منهم اثنا عشر رجلاً، وكانوا هذه المرة عشرة من الخزرج، واثنين من الأوس، فبايعوا رسول الله ﷺ كبيعة النساء. ولم يكن أمر بالقتال بعد. فلما انصرفوا إلى المدينة، بعث معهم رسول الله ﷺ عمرو بن أم مكتوم، ومصعب بن عمير، يعلمان من أسلم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله عز وجل.

اللقاء الثالث:
وهو بيعة العقبة الثانية، في السنة الثالثة عشرة للبعثة، وقد خرج الأنصار، كما يقول كعب بن مالك متسللين تسلل القطا، وهم ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان، فلما جاء رسول الله ﷺ، بدأ بتلاوة القرآن، ودعا الى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر، وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على أخذ رسول الله ﷺ، على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، سألوه "فما لنا يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ابسط يدك.

حقيقة الفهملقد فهم الأنصار حقيقة المعركة مع الباطل، ومن ضمن ذلك ضرورة قطع علاقاتهم باليهود، فأعلنوا ذلك بين يدي رسول الله ﷺ. وفهم الأنصار أيضا اجتهاد رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعوا، وكان اختيار غطفان عن حكمة، لما رأى عليه الصلاة والسلام، أن قتالهم ليس كقتال قريش، فالدافع الأساسي لتحركهم هو المال، وليس استئصال الدعوة، وكان الاتفاق على وشك أن ينجز، لكن الأنصار أثبتوا بسالة، وطلبوا من الرسول ألا يتم الأمر، عندما علموا أنه يصنع ذلك من أجلهم.

لكن الحكمة الأنصارية، شق عليها أن تفهم لغز توزيع فيئ حنين، فوجد القوم في أنفسهم على رسول الله، وقد كان الموقف الأصعب عليهم، وهو ولا شك كذلك، فهم الذين آووا ونصروا، فكيف يؤخرون ويقدم غيرهم؟ لكن سرعان ما تعود الحكمة إلى وعائها، فيمتلئ فهما وتصديقا، بعد حوار صادق، مؤيد بالأدلة والشواهد.

وهنا تأتي أهمية مثل هذه اللقاءات الدعوية، فهي جزء من التخطيط الدعوي؛ لصياغة فهم نوعي، فهم النخبة المؤمنة، وفق مقتضيات الشريعة، وعلى المجتمع أن يسعى لتحقيق ذلك الفهم عند أفراده، فيبدأ الدور المحوري في البيت، ويبلور المسجد الرسالة ويصوغها بقوالب أفضل، ثم يأتي دور المؤسسات التعليمية، والرياضية، والإعلامية، والفكرية، والسياسية؛ وذلك من أجل تحقيق هذا المبدأ، فعلى أبناء فلسطين وهم يتطلعون إلى تحرير أرضهم، أن يعرفوا عدوهم جيدا، وأبعاد الصراع السياسية والعقائدية، فمن تجاهل السياسة، لم يفهم مبتدأ الوجود الصهيوني في أرضنا، ومن تجاهل الدين، لم يفهم أخلاق اليهود، وكيفية التعامل معهم.

إن وحدة الفهم تتحقق بعاملين مهمين، هما: السؤال، والحوار، فشفاء العي السؤال، وهذا ما فعله الأنصار يوم الأحزاب، عندما استشار رسول الله ﷺ، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في الأمر، فقالا له يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟

أما دور الحركة الإسلامية، فهو التواصل مع مجتمعها بكل مكوناته وطوائفه؛ لتحقيق فهم شمولي، إلا أن خطوتها الأولى، ينبغي أن تكون باتجاه كوادرها وأنصارها، فتطلعهم على التفاصيل المهمة، والقرارات الكبيرة، دون إبطاء أو غموض، وواجب الشباب ألا يطلقوا سهام التخوين والتكفير، بل أن يسألوا ويحاوروا، فإذا تأكد لهم مخالفة صريحة للكتاب والسنة، نصحوا وبينوا، أما إذا انجلى لهم خلاف ذلك، بأن كان اجتهادا، مما تقتضيه السياسة الشرعية، سألوا الله أن تنشرح له صدورهم.

وإذا كانت ثمرة الفهم على العبادة، أن تؤدى بحب واقتناع، فإن أثرها على البناء التنظيمي، أن يظل متماسكا صلبا، بعد أن يفهم أبناء الحركة الإسلامية مرامي القرارات والإجراءات، التي يظن بها معاكسة المنطق القويم، وكذلك يكون الفهم عند المجتمع المسلم، فينتزع بذلك فتيل أي انشقاق في الصف الإسلامي، في دائرتين مهمتين لا غنى عنهما.

إن وحدة الفهم تتحقق بعاملين مهمين، هما: السؤال، والحوار، فشفاء العي السؤال، وهذا ما فعله الأنصار يوم الأحزاب، عندما استشار رسول الله ﷺ، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في الأمر، فقالا له يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"، والحوار يقابل الحجة بالحجة، ويزيل الوهم بأدلة وشواهد، تنساق من قلب صادق.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت اختصاصية الأمراض الجلدية الدكتورة جلنار حسن هولا إن الكلف مرض جلدي شائع، ويعد من أكثر اضطرابات التصبغ المكتسبة شيوعا، وهو مجرد عيب تجميلي ولا علاقة له بسرطان الجلد.

اختارت إدارة مهرجان الجم للموسيقى السمفونية في تونس أن تحيي ذكرى ملك التينور وأشهر مغني اﻷوبرا العالميين لوتشانو بافاروتي في افتتاح الدورة الـ32 من المهرجان.

قال مراسل الجزيرة إن محافظتي القنيطرة ودرعا جنوب غربي سوريا تشهدان هدوءا مشوبا بالترقب عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف نهار اليوم الأحد بالتوقيت المحلي.

الأكثر قراءة