الإعجاز العلمي التأثيري (1)

في مستهل الحديث عن إعجاز القرآن الكريم سنحرّر أمراً، وهو أن مشاعرنا الإيمانيّة تنزع تلقائيّاً فيما تربّينا عليه من قيم الدين الحنيف إلى تعظيم القرآن وافتراض وجود إعجاز حقيقيّ فيه وإن لم نلمسه أو نشعر به، لذلك فإن البعض يشعر إن الحديث عن إعجاز القرآن هو تحصيل حاصل وإثبات أمر مثبت، وكأنّك تريد أن تبرهن لعلماء الرياضيات صحة جدول الضرب!
الإرهاصات:
بدأت المشكلة بسؤال استحدثه المتكلّمة وابتدأت الصراعات: "هل القرآن الكريم معجز بلفظه"، "هل القرآن الكريم معجز بمعانيه"، "هل القرآن الكريم معجز بنظمه"، "هل القرآن الكريم معجز بأحكامه؟ بتشريعه؟ ببيانه؟ بذلك جميعاً"، ولعلّ القارئ في هذه التنازعات لا يحتاج كثيراً من الحذاقة ليعلم أن سبب هذا التنازع هو التنازع العقدي "هل القرآن كلام الله أم مخلوق؟".

– استطاع القاضي الجرجاني – رحمه الله – الأشعريّ مذهباً، أن يصل إلى نظريّة جديدة وهي نظرية النظم، هذه النظريّة باتت ميدان السباق في النقد الأدبي الحديث تحت مسمّى "الأسلوبية" كان الجرجاني أوّل من أصّل لهذه النظرية وأن يفرّق بين جمال قول الباري: "واشتعل الرأس شيباً" وبين قول القائل "واشتعل شيب الرأس" حيث لا فرق بين العبارتين سوى نظم الكلام.

العصر الحديث ومستلزمات مواجهة موجة الإلحاد التي تغزو العالم الإسلامي تستوجب علينا تناول الإعجاز بطريقة تأثيرية تكون في متناول القريب والبعيد والعالم والجاهل وإلا كنا كمن نسي عصرَه فنسيه عصره، وذقنا الندامة ولات حين مندم.

العصر الحديث:
كانت الدراسات القديمة تدور في فلك الإعجاز البلاغي عموماً، أما في العصر الحديث فقد تطوّر العلم تطوّراً ملحوظاً واستطاع العاميّ البسيط أن يعرف عظمة القرآن كالعالم النحرير، ولعل أبسط مثال هو قوله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين".

إن العلم الحديث لم يجد تسمية أدق وأبلغ من تسمية القرآن الكريم لمراحل تكوّن الإنسان وتشكّل خلقه، وإن الحديث المشهور، حديث الصادق المصدوق كان أبلغ مفسّر للآية وكان الأفصح على الإطلاق في الحديث عن شيء غامض مستور لم تكتشفه سوى مجاهر القرن العشرين وأجهزته ذات الأشعة السينية المتطوّرة، هذه الحقيقة عرفها القرآن وتحدّث عنها قبل قرون .

وفي العصر الحديث أيضاً اختلفت طريقة تناول الإعجاز البلاغي للقرآن فما عدت ترى تلك التسميّات التي أرهقنا بها البلاغيّون من استعارات وتشابيه، بل كان الكاتب يكتفي أن يقول كما قال صاحب الظلال: على سبيل المثال: حينما يريد القرآن أن يعبر عن معنى أن الكافرين لن ينالوا قبولاً من الله فإنه لا يقولها مباشرة وإنما حولها إلى صورة: "إن الذين كفروا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط…" والجمل هو الحبل الغليظ، فيدع للذهن البشري أن يتخيل صورة حبل غليظ لا يدخل في فتحة الإبرة الدقيقة مهما حاولت، وبذلك يتأكد المعنى المطلوب حينما تحول من معنى ذهني إلى صورة فنية. وحينما يريد أن يعبر عن ضياع أجر الكافرين فإنه لا يعبر عنها بطريقة تقريرية وإنما برسم صورة فنية "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف…" فيدع للذهن أن يتخيل حركة الريح تذرو الرماد فيتبدد بددًا.

ختاماً:
إن العصر الحديث ومستلزمات مواجهة موجة الإلحاد التي تغزو العالم الإسلامي تستوجب علينا تناول الإعجاز بطريقة تأثيرية تكون في متناول القريب والبعيد والعالم والجاهل وإلا كنا كمن نسي عصرَه فنسيه عصره، وذقنا الندامة ولات حين مندم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قدمت اختصاصية التغذية العلاجية الدكتورة آلاء فاروق أبو ارشيد نصائح للتعامل الصحيح مع الأغذية والأدوية ضمن تاريخ صلاحيتها، وذلك للوقاية من التسمم الغذائي.

الأكثر قراءة