إلى جدتي..

(1)
كما أبنية الزمن القديم، سقف خشبي عالي يبعث على الدفء والهيبة في آن واحد، غرف فسيحة قد أعطت من وسعها سِعةً في قلوب ساكنيها: "الفاراندا" المكان الأحبّ والأقرب إلى قلبي المطلّ على شجرة التوت العتيقة حيث تختبئ في ظلها غالب ذكريات الطفولة، غرفة المعيشة مستودع الحكايات السريّة والكلمات المنسيّة، غرفة الضيافة التي لا تكاد تخلو من زائر.. هو بيت جدتي كما يبدو لي الآن: حي عامر بأهله وزوّاره لا تهدأ حركته ويملئه صخب الحياة.

تحكى أمي أن أول لقائي بالعالم كان هناك، في بيت جدتي، تقول: كان الفجر حينما شقّ صراخي هدوئه وكان الميلاد؛ لهذا السبب -ربما- اعتبر بيت جدتي مسكني الأول، ملاذي في كثير من أوقات الحزن والفرح والارتباك والحيرة، أفكر الآن أن أكثر قراراتي جديّة ومصيرية كانت بين جدرانه.

اليوم، أخشى زيارة لـبيت جدتي لا تستقبلني فيها بحفاوة وبشاشة كما هي عادتها، تقف على أول السلم تسأل عن أحوالنا جميعاً حتى إذا انتهيت إليها كانت قد اطمأنَت على أسرتنا فرداً فردا، أخشى ذلك وأنا لا أملك يقيناً بعودة قريبة إليه، لكنى أعلم تماماً أن روح البيت غابت مع رحيلها، وكأن البيت كان بيتاً بوجودها!

يتساءل المرء كيف يكون لأحدهم هذا الحضور الكثيف في حياة من حوله دون تكلّف أو عناء، كيف يكون له في كل غرس ثمرة، حتى إذا بحثت عن جذرها وجدته ممتداً له وبه!

(2)
كان مساء الجمعة حينما هاتفتني أختي لتخبرني أن "تيتة" قد وافتها المنيّة، لـوقت ليس بالقصير لم أدرك مَن تقصد، صمت وذهول لاستيعاب الأمر وإدراك أن ترحل جدتي ويبعدني عنها مئات الأميال ولا أملك حتى وداع أخير، لا أدرى ما حدث بعدها، يخبرني زوجي أنى دخلت في " نوبة" بكاء هستيري ثم أخذني سُبات عميق.

كانت وفاة جدتي القشّة التي قصمت ظهري؛ فقبل ذلك المساء الموعود كنت أبعد ما يكون عن مدار إيماني، يتملكني الحزن واليأس وسؤال الحكمة، تِيهٌ كدت أن أغرق فيه ليبتلع ما تبقي من اليقين والإيمان حتى جاء رحيل جدتي أو "ماما تيتة" كما كنتُ أناديها صغيرة.

لا أدرى كيف اجتمعا، لكنّ إحساسا بالخذلان والذنب تملّكني، خذلان أن يكون الرحيل على غفلة لم أتوقعها أو أتجهز لها وأنا التي -في غربتي- أعيش على خيالات اللقاءات المنتَظَرة، وذنب تقصيري الدائم وغفرانها المستمر، فدائما ما كان عتابها رقيقاً حنوناً يُخجل ولا يكسر.

كان شفاء ذنبي "عُمرة" أُطهر بها آثامي واتحلل فيها من غضبى ويأسى، كان القصد والنيّة بأن تكون باسم جدتي، هدية تذهب لها في عالمها الآخر علّها تبلغها سلام ومحبة لم تسعفني عادتي السيئة من تبيانها قبل ذلك بالقد الذي يليق بها. كان طوافاً بديعاً يحدوني فيه طيفها الجميل، والجمال هنا ليس مجازاً، بل معنى حقيقيّ تمثّل في وجهها الذي لا أذكر أنى رأيته يوماً عابسا، في كلماتها التي لم تخلو أبداً من حكمة وخبرة واعية.. أحسب أن رزق جدتي من الدنيا كان "الرضا" الذي وهبه الله لها فأورثها اطمئناناً لا تخطئه العين.

(3)
يتساءل المرء كيف يكون لأحدهم هذا الحضور الكثيف في حياة من حوله دون تكلّف أو عناء، كيف يكون له في كل غرس ثمرة، حتى إذا بحثت عن جذرها وجدته ممتداً له وبه! ربما هو صدق المحبّة أو هو قبول أودعه الله القبول جزاء الصبر والرضا.

فإليكِ جدتي:
لم أخبركِ أنى أحبك، وأنى لم أكن أعرف أن هذا الفراغ الذى يملأ قلبي الآن كان لحضورك البهي في حياتنا، وأن كلماتك كانت مرسى للمُتعبين، وأنّ البطاطا المشوية والفول السوداني الساخن دواءٌ لكل همّ مهما كان، وأن صحبتك في ليلة قمرية ساكنة تتلين الحكاية تلو الأخرى هي بعض من نعيم الدنيا.

لم أخبركِ أنى لن أنسى ذلك اليوم الذي جئتك فيه مثقلة بالدنيا فأزحتيها عن كتفي بخفّة وسلاسة، وعدتِ بي إلى أصل الأشياء وسبب الوجود، فكانت هديتك لـعمرٍ قادم فيه من الخيبات مالا نتوقع. أعرف أن كلماتي لن تصل، لكنه امتنانٌ أحفظه لكِ جدتي، وحكاية تليقُ بكِ، وغيض من فيض ما تمتلئ به القلوب.. رحلتِ عنّا باسمة راضية تدعين لنا وقد شتتنا الأرض في أرجائها أن يجمع الله شملنا.. لندعو نحن الله أن يجمعنا بكِ في مستقر رحمته.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أوقفت السلطة الفلسطينية رواتب العشرات من نواب كتلة حماس البرلمانية في المجلس التشريعي بالضفة الغربية، الأمر الذي ينظر إليه على أنه في سياق الإجراءات العقابية التي تتخذها السلطة ضد حماس.

الأكثر قراءة