أبواب الفجر: الرواية كمدخل لفهم جذور أزمة الريف

يعيش المغرب على وقع أزمة واضحة المعالم في مدينة الحسيمة، ومعها عموم منطقة الريف وباقي ربوع البلاد، بدأت منذ أشهر طويلة، بعد مقتل بائع السمك محسن فكري، قبل أن يتعقد الوضع قبيل وطيلة شهر رمضان الماضي بعد حادثة المسجد الشهيرة التي سبقت اعتقال من بات يعرف ب "أيقونة حراك الريف" ناصر الزفزافي ومن معه من قادة الحراك،

 

وتبدأ سلسلة من الوقفات الاحتجاجية والمسيرات الضخمة التي تجاوزت الحسيمة ممتدة إلى أغلب المدن المغربية، تمت مواجهتها بموجة من الاعتقالات واللجوء الحاسم للمقاربة الأمنية، وما واكب ذلك من نقاشات حادة، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو خارجها، وصلت حد التخوين والتخوين المضاد بين أبناء الوطن الواحد، وتصاعد الاتهامات المتبادلة بالانفصال والخنوع للتسلط، ليضيع صوت العقل أمام التجييش العاطفي والعرقي الذي يجد تربته الخصبة في مثل هذه الحالات، رغم أن المسألة في صميمها تبدأ بأسئلة سهلة، وإن كانت إجاباتها صعبة ومعقدة بعض الشيء:

ما الذي يجري في الريف؟ وهل ما وقع مجرد حادث عرضي؟ أم أن جذور الأزمة ضاربة في القدم، وتتجاوز حادثة مقتل فكري بسنوات طويلة جدا؟

 

شعرت منذ البداية بأنني أمام رواية مختلفة، اشتغل عليها كاتبها بعناية شديدة، فكان من الطبيعي أن تشدني من أول صفحة حتى آخر كلمة، فأنا أميل إلى هذا النوع من الأعمال التي أتحول معها إلى "قارئ فنجان" يتخيل الكاتب وهو يبحث وينقب في المصادر التاريخية

كثيرة هي المراجع التي عدت إليها في محاولة متواضعة مني لأخذ فكرة شاملة عن جذور الوضع المتأزم، وقد لا يتسع المجال لذكرها كاملة هنا نظرا لكثرتها وتنوعها بين التاريخ والفكر وعلم الاجتماع والأدب، لكن وبحكم اقترابي أكثر من فن الرواية الأوسع انتشارا بين عموم القراء، ارتأيت أن أشارككم قراءتي في رواية مهمة صدرت أوائل هذا العام، وأعتقد بأنها تستحق التفات أبناء الريف ومعهم كل المغاربة والمهتمين من العرب لأخذ فكرة موسعة يمكن البناء عليها لفهم حقيقة ما يجري.

 

يتعلق الأمر برواية "أبواب الفجر" للكاتب المغربي مصطفى الورياغلي، صدرت هذا العام عن المركز الثقافي العربي، وكان ظهورها الأول في المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء قبل بضعة أشهر، لا أنفي عدم اهتمامي بها عندما رأيت نسخها لأول مرة، رغم تجربتي وثقتي الكبيرة بجودة ما ينشره المركز الثقافي العربي من أعمال مغربية وعربية أو مترجمة، إلا أن بعض الأصدقاء القراء ممن أحترم خبرتهم، نصحوني بها وأشادوا بها، (خصوصا لتزامن موضوعها المرتبط بحرب الريف عشرينيات القرن الماضي مع الأحداث المتلاحقة والمتعلقة بالحراك الحالي)، ولم يجانب رأيهم الصواب فعلا.

 

تعود بنا الرواية إلى فترة حرجة من التاريخ المغربي الحديث، بين أواخر القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن الماضي، وتتخذ من منطقة الريف مسرحا لأحداثها.

 

يضطر الطاهر إلى حزم أمتعته والرحيل بأسرته وأسرة شقيقه قاسم بعيدا عن أرضهم في منطقة ما من وسط المغرب، والاتجاه إلى الريف، بعدما تورط في معارك ثأرية مع عائلة رفضت تزويج ابنتها لقاسم.

 

يستقر الحال بالطاهر وعائلته في الريف، هو المتمتع بمباركة الزاوية واحترام قبائل بني ورياغل وبقيوة وباقي القبائل الريفية، لتبدأ سلسلة من الأحداث المواكبة للظرفية التاريخية المتناولة، انطلاقا من الصراعات الداخلية للقبائل، ثم مواجهتها البطولية للتحرش الإسباني بالسواحل المغربية بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،

 

مرورا بالصراع القديم مع ممثلي سلطة المخزن في المنطقة (ما يعرف تاريخيا بحملة القايد بوشتى البغدادي لإخضاع الريف بالقوة للسلطة المركزية)، وصولا إلى احتدام المعارك مع الإسبان بعد الحماية والجهود التي بذلها محمد بن عبد الكريم الخطابي لتوحيد القبائل وتنظيمها في جيش قوي واجه الجيش الإسباني وألحق بجنراله سيلفيستري هزيمة مدوية في معركة أنوال سنة 1921، الهزيمة التي تركت آثارها العميقة في الداخل الإسباني نفسه.

 

شعرت منذ البداية بأنني أمام رواية مختلفة، اشتغل عليها كاتبها بعناية شديدة، فكان من الطبيعي أن تشدني من أول صفحة حتى آخر كلمة، فأنا أميل إلى هذا النوع من الأعمال التي أتحول معها إلى "قارئ فنجان" يتخيل الكاتب وهو يبحث وينقب في المصادر التاريخية، يقرأ ويسأل الأجداد ممن عاصروا تلك الفترة، بحثا عن أدق التفاصيل، متوجا كل هذا بحبكة قوية متماسكة، وتقنيات روائية محترفة، ولغة جميلة عرف كيف يوظفها بعناية.

 

اعتمد الكاتب على لغة جميلة عرف كيف يوظفها بعناية شديدة، فلا هو اعتمد على لغة معقدة متعالية، ولا هو كتب بسطحية مبتذلة، بل كيف اللغة مع كل شخصية من شخصيات فصول الرواية

إذا انطلقنا من التقنيات الروائية، يمكننا القول بأن الكاتب اعتمد على تعدد الأصوات الروائية، لكنه ليس تعددا بالمعنى المألوف، بل يمكن اعتبارها "متتالية" أصوات، فقد تم تقسيم الرواية إلى أحد عشر فصلا، كل فصل يحمل عنوان شخص يتولى مهمة سرد أحداثه قبل أن يسلم "المهمة" إلى الراوي اللاحق، أي أننا هنا أمام أحد عشر راويا في عمل روائي واحد، كل واحد منهم يتناول جزءا من الأحداث يكمل ما سبق، أو يتناول ما سابق لكن من منظوره هو، في متتالية جميلة تكشف عن احترافية ملحوظة من لدن الكاتب.

 

اعتمد الكاتب على لغة جميلة عرف كيف يوظفها بعناية شديدة، فلا هو اعتمد على لغة معقدة متعالية، ولا هو كتب بسطحية مبتذلة، بل كيف اللغة مع كل شخصية من شخصيات فصول الرواية، فإن أمسكت أنثى بزمام السرد وجدت في كلامها شاعرية وعذوبة ورقة، وإن سرد الأحداث رجل وجدت في كلامه نبرة جفاف وقوة إلا في بعض الحالات المرتبطة بظروف نشأة هذا السارد، وحتى عندما يتعلق الأمر بسارد إسباني (منح الكاتب إسبانيين اثنين "الفرصة" للحديث، أحدهما صحفي والآخر جاسوس) فإن النبرة المتعالية والعنصرية تجاه المغاربة أو "الموروس" تجدها حاضرة بطريقة موفقة وذكية،

 

ما يجعلني أجزم بأن الكاتب تجاوز حسن توظيف اللغة إلى ما هو أبعد، فقد تقمص الشخصيات ال 11 نفسها رغم كثرتها في الرواية التي يبلغ عدد صفحاتها 255 صفحة، وقد ذكرني هذا بمقولة للكاتب المصري أحمد خالد توفيق "أعتقد أن الأديب الحق يخفي تحت جمجمته فتاة مهذبة ومقامرا محترفا وبلطجيا ورجل شرطة وجنديا وفتاة ليل…إلخ. فقط هو يكشط السطح ليستحضر الشخصية التي يريدها في الوقت الذي يريد…"

 

من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضا، ولذلك لا بد أن نعرف ما حصل كي نتجنب وقوع الأخطاء مرة أخرى

أشرت عدة مرات إلى أن الرواية الناجحة تخضع لعدة شروط مرتبطة بحسن توظيف اللغة وخلق الفكرة والحبكة الجيدة واستخدام التقنيات القادرة على إيصال الفكرة بأفضل طريقة ممكنة، بالإضافة طبعا إلى عنصر التشويق والقدرة على شد القارئ حتى آخر صفحة، وقلت أيضا بأن غياب عنصر من هذه العناصر يؤدي إلى اختلال تماسك العمل ويؤثر على جودته بشكل واضح.

 

أعتقد (من وجهة نظر شخصية قد يشاطرها قراء آخرون وقد يختلفون معها) بأن "أبواب الفجر" قد حققت المعادلة الصعبة، فقد نجحت في كل العناصر المذكورة أعلاه، فكرة ولغة وحبكة وتقنيات ورسائل ممررة بين السطور، فكان من الطبيعي أن أنصح أبناء الريف ومعهم كل المغاربة والمهتمين من العرب أيضا بقراءتها، نظرا لمواكبتها الفعلية لهذه الظرفية الحالية التي تحتاج منا فهم الماضي كمقدمة لحسن تدبير الحاضر والمستقبل،

 

ولا أتذكر هنا سوى ما قاله عبقري الرواية العربية الراحل عبد الرحمن منيف: "من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضا، ولذلك لا بد أن نعرف ما حصل كي نتجنب وقوع الأخطاء مرة أخرى، ومن الغباء أن يدفع الإنسان ثمن الخطأ الواحد مرتين"، وها أنذا أصر في الوقت نفسه على القول بأن الرواية المغربية بخير، وربما تعيش أفضل فتراتها، وهذا لا يمكن إلا أن يكون مفرحا ومبشرا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توصل علماء أميركيون في دراسة هي الأولى من نوعها إلى أن وجود هدف في الحياة يؤدي إلى اضطرابات ليلية أقل، ويحسن نوعية النوم.

تخوض قوات الجيش الوطني اشتباكات مستمرة مع مليشيا الحوثي وقوات الرئيس المخلوع صالح في جبل مرثد بمحافظة مأرب. في حين طاردت قوات الحزام الأمني مسلحَين من تنظيم القاعدة بمحافظة لحج.

الأكثر قراءة