الإنسان ذلك المزيج المعقد بين النور والطين، لازال يبهر بني جنسه بما يستطيع تقديمه للعالم من خير أو شر، فيكاد يسمو إلى مصاف الملائكة عندما يجري النور في وديان طينه، ويكاد ينحدر لما هو دون الدواب عندما يركن إلى طباع الطين فيه.
لطالما وقفت مذهولة في عملي عندما أرى من السمو الإنساني ما يجعل اللسان يردد "لا زال في الناس خير!"، لن أحدثكم عما ألفتم سماعه من قصص الجحود والعقوق والشر المستطير، لعل في ذاكرتكم ما يغنيكم عن سماع المزيد، بل ربما تولد في أنفسنا من فرط سماعنا لقصص الشر كره للكائن الإنساني وصرنا نتوجس خيفة أن " يخوننا" المقربون عند أول كبوة.
"لازال في الناس خير" ليست عبارة نتفاءل بها وحسب أو نمنع طيور اليأس من بناء أعشاشها فوق رؤوسنا، هي حقيقة لا مراء فيها، نعم أيها الطيبون خذوا ممن رأى ودعوا عنكم من سمع، فسأخبركم عن أجمل ما رأيته من نقاء وصفاء قلوبكم، فأنى لي أن أنسى ذلكم الشابين الذين جاءا رفقة رجل طاعن في السن يعاني من الآلام ما الله به عليم، وقد انكسر عوده وانحنى ظهره فما كان من الأطباء إلا طلب الفحوصات من أشعة وتحاليل واستغرق تشخيص حالته اليوم كله والشبان لا يكلان من السؤال عن حالته وقضاء حوائجه والسعي فيها دون أدنى تذمر فانتابني الفضول لأسأل: ما صلتكما بهذا الرجل؟ أهو والدكما؟ أجابني أحدهما: هو رجل وجدناه في الشارع فأشفقنا عليه وأحضرناه ليعالج.
| التضحية والإيثار، يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، تلك البذرة الطيبة في داخلنا التي تشكو الجفاء والجفاف هلا تعاهدناها وسقيناها، هل صار من الصعب على الإنسان أن يعيش إنسانا؟ لعل علينا أن نهدم ذلك السد الذي بنيناه من صخور الحذر والخوف |
أنى لي أن أنسى ذلك الكهل يرافق شيخا طاعنا في السن وابنته ينتقل بين طبيب وطبيب يبحث عن علاج لمريضه لأكتشف أنه جاره وأنه يجري في قضاء حوائج الشيخ الذي لم ينجب سوى بنات من الصعب عليهن مباشرة الأمور الإدارية "المعقدة"، كيف لا أرى في الناس خيرا؟ وأنا أتذكر صورة ذلك الشاب الذي ينتظر دوره لعلاج جروحه وقد هب لمساعدة امرأة كبيرة في السن لم تستطع الصعود فوق سرير المشفى؟ ثم بعدها يترك مكانه لشيخ مريض لينتظر دوره في العلاج واقفا.
لا أنسى أبدا صورة ذلك الأب الذي كان يقف قرب نافذة العناية المركزة من الصباح إلى المساء ينظر إلى ابنته الأربعينية الغائبة عن الوعي ينتظر أن تتحسن حالتها؟ كان يأتي كل يوم ويسأل: هل تحسنت؟ إني لأقف عاجزة أمام النفس الإنسانية عندما يشرق نورها وتتصرف على فطرتها، عندما ينفق الناس أوقاتهم وقوتهم وأموالهم وصحتهم من أجل الآخرين فقط بدافع الرحمة! عندما يهب الأخ أخته إحدى كليتيه مبتسما راضيا سعيدا أنه سيعطيها ما يريحها من عناء حصص التصفية؟ عندما يجلس الأخ للاعتناء بأخيه المريض تاركا بيته وأولاده وعمله؟
لكن عجزي يبلغ مداه عندما أرى معجزة الأمهات! ذلك الحب الذي لا يعرف الحدود ولا الشروط، تلك التضحية والإيثار الأقرب إلى الأساطير، كنت دائما ما أتساءل في حنق ما الذي يدفعهن إلى هذه التضحية عندما أرى تلك العجوز التي جاوزت السبعين وهي ترافق ابنها الذي بلغ الأربعين فما فوق إلى المشفى وهو في حالة سكر! أو تلك المرأة الستينية التي ترافق حفيدها وتعتني به لأن على أمه الاعتناء بأخ رضيع، تلك المرأة التي تخبرني أنها ستبيع شقتها لتستطيع ابنتها أن تسمع كغيرها من الأطفال؟ تلك الأم التي تتوسل وتخبرنا أنها ستبيع كل ما تملك فقط ليعيش ابنها الذي أظنها أمضت ليلها كله تبحث عنه لتكتشف صباحا أنه نزيل المستشفى جراء حادث ناتج عن التهور.
بل والأغرب تلك الأم التي لا تعتني بابنها منذ أكثر من ستة أشهر، وما إن تتحسن حالته حتى تتدهور من جديد استوقفتني تسألني هل سيتحسن حاله، وهل يستطيع العودة إلى سالف عهده ونشاطه ثم تنغمر دمعاتها غزيرة لتخبرني في حياء أنه ليس ابنها الحقيقي وأنه كل ما تملك، فقد ربته منذ كان عمره بضعة شهور، أيقنت حينها أن الأمومة فطرة في المرأة سواء أنجبت أم لا!
| النفس تحب الخير تحب أخذه كما تحب بذله، هلا جعلنا ما يربطنا بالآخرين من الإنسانية مقدما على ما يفرقنا من الخلافات التافهة، هل نستطيع يوما أن نقدم للإنسانية مشاهد صدق تنحني إجلالا أمامها؟ |
غير هذا من المشاهد التي أقف فيها إجلالا للنفس الإنسانية الكثير الكثير، التضحية والإيثار، يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، تلك البذرة الطيبة في داخلنا التي تشكو الجفاء والجفاف هلا تعاهدناها وسقيناها، هل صار من الصعب على الإنسان أن يعيش إنسانا؟ لعل علينا أن نهدم ذلك السد الذي بنيناه من صخور الحذر والخوف وأوقفنا عنده سيول مشاعر الحب والرحمة التي تفيض بها أرواحنا؟
النفس تحب الخير تحب أخذه كما تحب بذله، هلا جعلنا ما يربطنا بالآخرين من الإنسانية مقدما على ما يفرقنا من الخلافات التافهة، هل نستطيع يوما أن نقدم للإنسانية مشاهد صدق تنحني إجلالا أمامها؟ لم يكن تكريم بني آدم على كثير من خلق الله – سبحانه وتعالى – عبثا، هذا التكريم لأننا نحمل في داخلنا من نور الروح وحكمة العقل ما يستعصي فهمه على كثير من الخلق، فهلا عاد الإنسانُ إنسانا؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

