شعار قسم مدونات

الصَبٌّ تفضحُهُ عيونه

blogs كتابة
الحب خضوع لكيمياء معقدة متبادلة بين اثنين، أنت ومن تحب. والكتابة خضوع لكيمياء معقدة متبادلة بين اثنين، بين ملكوت الله الهائل وذلك المخبأ العميق القاطن بالداخل. في الحب لا يصلح أن تحمل فتاتا من روحك لمن تحب وإنما كل الروح، وفي الكتابة لا يصلح حمل حالتك النفسية لحشوها بين مفردات صفراء عقيمة وإنما كل الحال. إذا كنت تستطيع أن تسعد دون أن تكتب وأن تحب دون أن تكتب وأن تحزن دون أن تكتب وأن تغضب دون أن تكتب فلا تكتب لأنك لن تبدع!
ستَمُر في حياتك الكثير من النساء، ولكن هناك واحدة فقط ما إن تراها حتى تدرك فورا أنها هي هي من تبحث عنها! ما إن تراها حتى تُقبِل على الماء لتبترد ولا حَر! ما إن تراها حتى تدرك أن النساء خُلقنَ ليعشقهن الرجال، أما هي فخُلِقَت لِتُجَسِدَ في عينيك العشق ذاته! ما إن تراها حتى تقتنع من نظرة واحدة فقط أنك لن تستطيع الخروج منها حيا! كذلك الأفكار، نمر بالفكرة والفكرة. نتخيل الجزئية والجزئية. نمر بهذا وذاك ولكن لا نتوقف إلا أمام تلك "الفكرة-الصاعقة" التي نشعر أنها هي هي ما نبحث عنه. هي هي التي ستأخذنا لكتابة اللا اعتيادي. نعانق الفكرة لنصبح ذاتين في فرد واحد في كون ليس بواحد. تعانق تلك "الفكرة-الصلاة" التي تجبرك على النهوض من سريرك للاستمتاع ب"تواصل روحاني" مع تعبير ما وقضاء ليال طوال لإعادة صياغة التفاصيل الواحدة لخمس أو ست مرات دون ملل!

عندما تجلس إلى حبيب في لحظة حب، وتصغي إلى كلماته، قد تتساءل هل كانت الكلمات موجودة قبله، قبل أن ينطقها! أم أنه بحديثه أوجدها! ستميل لتصديق كل الأفكار الصادرة عنه حتى غير العقلانية. صحيح أنك لن تصدقه إذا أخبرك في تلك الظروف المعاقة عقلا أن الأرض مستطيلة وأن الأشجار مستديرة الشكل، ولكنك ستنتشي لحديثه فقط لأنه يرسُمُه لك بحبر عشق فائض. بل وقد تتمادى لتتخيل معه الأمر! كذلك الشعر قد لا نؤمن بصوره ولكن تعابيره الجمالية تحتلنا، تدفعنا لتخيل صور خارقة جائعة للاعقل، في لحظات جمال ووعي لا يعي!

أجمل ما في الإبداع الإحساس بالحرية. وأجمل ما في هذه الحرية حرية اللغة. حرية الألفاظ والحروف والجمل والمعاني. ماذا يعني الحفاظ على "نقاء اللغة"؟ لا يعني أي شيء! "نقاء اللغة" تعبير عنصري مستحيل شبيه بـ"نقاء العِرق".

يتحدث المحبوب.. تتبخر كلماته غير العقلانية. يتحدث الشاعر.. تتبخر كلماته غير المنطقية، ولكن في الحالتين يعلق بالروح معنى لذيذ يظل راسخا بالقلب! صحيح أنها أحاديث ترحل بالعقل وتلغي القوالب وتكسر القوارير. صحيح أنها أحاديث تُعطِل وظائف كثيرة للعقل وتُلغيها بحُسن. صحيح أنها لذات تمضي بلا وجهة، بلا اتجاه. لذات شبيهة بلذة ضائع تحت القناديل المسائية في الحارات الضيقة.. تائه.. فقير لكل إرشاد عقلي ولكنه مستمتع!

تتجلى حلاوة الفنون في أنها تمنحنا إمكانية اختبار عواطف ليس لها كلمات تعبر عنها. نحن لا نفهم المشاعر التي تعترينا عندما نبكي من "اعتصار" نغم موسيقي مثلا. نحن لا نبكي عند سماع المعزوفة الصامتة لأنها حزينة أو سعيدة بل لأنها تزرع في أرواحنا مزيجا حسيا غريبا من عواطف متشابكة مختلفة تتراوح بين السعادة والحزن والنشوة والخدش والجرح والألم واللذة… أحاسيس نرى أنفسنا غير قادرين على فهمها أو وصفها. أحاسيس مُغايرة استثنائية مختلطة لا نستشعرها في مواقف الحياة العادية. أحاسيس غامضة ملتبسة لا تعبر عنها الكلمات التقريرية اليومية. مهما حُمنا حول المفردات والمصطلحات لا نجد لها كلمات واصفة. وهنا تكمن جمالية الفنون..

فإذا وجدنا كلمات تصف أو تُنتِجُ تلك المشاعر التي تزرعها القطعة الموسيقية بالروح، لن يكون هناك داع للقطعة الموسيقية، ولا للمقطوعة الشعرية سنكتفي بقراءة تلك الكلمات الميكانيكية الفيزيائية البديلة المنطوقة بشكل أصم لفهمها واستشعارها!

الرغبة تُوجع! ليست رغبة الكتابة فقط وإنما هي مجموعة من الرغبات المترابطة والمتشابكة كرغبة التعبير، رغبة تزعم كلمة على الملأ، رغبة السخرية من الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. السخرية، تلك المُهَرِّجة التي لا ترتدي ربطة عنق. إن أصدق أنواع السخرية هي تلك التي لا تعتمد تعابير رقيقة ناعمة وإنما لغة واقعية شفافة حادة صادمة في قدرتها الوصفية.

فالهدف ليس إقناعك بفكرةٍ ما بلُغِةِ الشوكة والسكين الديبلوماسية البروتوكولية الهادئة المنمقة، وإنما تنفيرك من فكرة ما بإغراق كل الأصابع في أوحالها، بتعرية الجلد الناعم، بإزالة الضمادة المطهرة من على القيح النتن، دون "رتوش" أو قيود. الطبيب لا يعالج السرطان بتوزيع كلمات منمقة مهذبة على المريض وإنما يحرق الخلايا بالأشعة حرقا وقد يكسر عظامه تكسيرا… لمعالجته! الساخر "ينطق جمالا"، يُبدع الجمال.. بطريقته!

أجمل ما في الإبداع الإحساس بالحرية. وأجمل ما في هذه الحرية حرية اللغة. حرية الألفاظ والحروف والجمل والمعاني. ماذا يعني الحفاظ على "نقاء اللغة"؟ لا يعني أي شيء! "نقاء اللغة" تعبير عنصري مستحيل شبيه بـ"نقاء العِرق". ليست هناك لغة "نقية". إن مجرد التفكير في احتمال وجود لغة "نقية" يعني أنها لم تتواصل بباقي الحضارات. إن تبني لغة ما مفردات لغات أخرى ظاهرة لغوية "صحية" سليمة. هذا التلاقح لا يعني أن هناك لغة لها أفضلية على لغة أخرى، وإنما هناك لغة استجابت لمستلزمات الحياة والزمن، وجب مواكبة ما وصلت إليه بتجديد قاموس اللغة الأم لا بتحنيطه وعزله عن التطور، كتَبَنِّي المفردات الأجنبية التي تعكس أفكارا ومفردات غريبة عن المجتمع. يجب فقط أن يكون التبني ذكيا وسلسا.

لقد ترك أحدهم الصنبور مفتوحا، فتسرب الخيال من الحوض. لقد فاض، فأغرق الحمام، ثم تسرب للدور الأرضي، إنها الآن تتقاطر أفكارا على جريدة الجار! هذا ما يحدث مع الكاتب، يُنتج نوعا من الفيض المُتسرب الذي يتقاطر على الجرائد والأوراق والكتب.

من الغريب أن تُسمي السينما مثلا بـ"خيالة" نسبة للخيال كما يدعو لذلك بعض مناصري "النقاء اللغوي". يبدو المصطلح غير علمي ومناف للتطور الطبيعي للغة. كما يجب أن نكون مفتقدين فعلا لهذه الكلمة الدخيلة ولا وجود لمرادف يعبر عنها في اللغة الأم، فالضرر كل الضرر في إدخال مرادفات أجنبية لكلمات موجودة. إنها طريقة لقتل اللغة، تعويض مفرداتها بمفردات أخرى أو قواعدها بقواعد وبنى لغوية أخرى.

إن التحدث عن نقاء اللغة الفرنسية مثلا لم يكن، على مر التاريخ، سوى انعكاسا لمشاريع أيديولوجية وسياسية طبقية وعنصرية أهدافها لم تكن يوما لغوية. أهم شيء في اللغة هو التواصل؛ أن يفهمني المتلقي، أن يدرك قارئ هذا العصر ما أقصده. إن تبني المنهج العاطفي المبالغ فيه، بمنع أي لغة من التطور بدعوى الحفاظ على الهوية ينسف قدراتها التواصلية. هو حالة من النوستالجيا غير الموضوعية وصلابة فكرية مغلقة مضرة.

كن حذرا! لقد ترك أحدهم الصنبور مفتوحا، فتسرب الخيال من الحوض. لقد فاض، فأغرق الحمام، ثم تسرب للدور الأرضي، إنها الآن تتقاطر أفكارا على جريدة الجار! هذا ما يحدث مع الكاتب، يُنتج نوعا من الفيض المُتسرب الذي يتقاطر على الجرائد والأوراق والكتب… يبلور الفكرة الواحدة ويحملها لأعالي الخيال ليُسقِطَها في قلب الحشا.

هناك نساء و"لا نساء". هناك أفكار و"لا أفكار". هناك جاذبية توقع في الحب وجاذبية توقع في الكتابة. هناك صَبٌّ تفضحُهُ عيونه وصبٌ تفضَحُهُ حروفُه!