أغنية جدتي

blogs - أم عجوز
في المراحل المبكرة من عمري تبلورت لديّ محبة الوطن وتمرّدي على الظلم والاستبداد من خلال نقاشاتٍ حادةٍ بين أناس في المحيط العائلي، ولم أكن أعرف مدلول تلك الكلمات آنذاك سوى بعض المصطلحات المتداولة كالاستقلال والحرية من براثن الأنظمة الغاصبة للأجزاء كردستان الأربعة وأسماء بعض قادة الحركة التحريرية الكردية أمثال ملا مصطفى البرزاني وشيخ سعيد البيراني، وعبد الرحمن قاسملو، وغيرهم كثير من أسماء لامعة في الذاكرة الكردية، كذلك صورة الشهيدة ليلى قاسم المعلّقة في مخليتي، تلك الفتاة التي قارعت ببسالة تلك الأنظمة الاستبدادية في إقليم كردستان العراق وضحّت بنفسها من أجل الوطن وحرية أبنائه.
ممّا زادني عشقاً بالتعرّف أكثر على مجريات الأحداث التي جرت في الأزمنة الغابرة من التاريخ الكردي من خلال سرد قصص وروايات من الأدب الكردي الشفوي التي كان يسردها لنا جدي وجدتي في ليالي الشتاء الباردة والطويلة، كنا صغاراً كالفراخ نتداخل فيما بيننا حول المدفأة التي كانت تعمل على الوقود وعلى وقع أغنية مم وزين بصوت جدتي، يبدأ مشوار الليل وصوتها الحنون يملأ أرض الديار.

لم تكن تخلو ذاكرته من الحسرات على تلك الأيام بعدما تجاوز عمره تسعين عاماً وفقدانه معظم رفاق العمر، خاصة الذين كانوا معه في الرحلات الطويلة بين رحاب المدن الشمالية بما فيهم أصدقاؤه وأبناء العمومة.

وأمي كانت تسكب لنا الشاي المغلي على المدفأة وأبي يلفّ سجائر التبغ ودخانه ينسحب إلى قبةّ الغرفة المصنوعة من اللبن، يتكون منه السحاب ويحجب الرؤية عمّن يدخل إلى الغرفة، بعد انتهاء جدتي من سرد قصة الحبّ المأساوية بين الحبيبين مم وزين، وكذلك حكاية سيامند وخجي، كيف أنّها ضحّت خجي بحياتها من أجل حبيبها سيامند ولم تخلُ أغانيها من أيام الغوالي عندما كانوا يشدّون الرحال إلى المراعي في فصل الربيع لتربية المواشي، وكيفية جلب المياه من كانيا بوزانه المعرّبة إلى عين عيسى في ريف الرقة الشمالي.

وبعدها يبدأ جدّي بالحديث عندما كان عاملاً في ريعان شبابه يعمل في مدّ خطوط السكة الحديدية لقطار الشرق السريع بمقر الشركة الألمانية بموقع ’’كوباني’’ الحالي، والذي جاءت تسمية كوباني على اسم تلك الشركة التي ربطت برلين ببغداد عبر الخطوط الحديدية لتسهيل نقل البضائع من وإلى الأسواق الشرق أوسطية ومن جانب آخر كيف كان يقطع الليل بالنهار في سبيل الوصول إلى أسواق المدن الكبرى مثل رها أورفا أمد ديار بكر وعنتاب لجلب الحاجيات الأساسية للبيت من مؤن وبيع المواشي في تلك الأسواق، وطبعا لم تكن تخلو ذاكرته من الحسرات على تلك الأيام بعدما تجاوز عمره تسعين عاماً وفقدانه معظم رفاق العمر، خاصة الذين كانوا معه في الرحلات الطويلة بين رحاب المدن الشمالية بما فيهم أصدقاؤه وأبناء العمومة الذين تقطّعت بهم السبل نتيجة سفربرلك، وكيف كانت إحدى بنات عمومته وقد كانت عروسة في الأشهر الأولى من حياتها الزوجية رفضت أن تستحمّ حتى يعود زوجها من ساحات القتال في المستعمرات العثمانية وماتت حزنا على أثره.

كان أخي يدفن تلك الكتب والمجلدات خوفاً من بطش المخابرات السورية، وأحيانا كنا نضعها في أكياس القمح والطحين إلا أنّ تلك المكتبة المدفونة تمّ حرقها من قبل والدتي دون علمي، خوفا من أن يتمّ اعتقالنا.

وأكثر الكلمات التي باتت معلّقة في أذهاني من تلك الليالي دون إجابة حتى هذه اللحظة حول الأحاديث عن هرقا كورو وماهي أي تعني بالعربية ساقية الأعمى ومن بين تلك الأحاديث ’’جك زري’’ أي صاحب اليد الذهبية في قلعة دم دم وشخصية محمد شريف الكردي الأصل الذي كان يقود الرجال إلى ساحات الحرب الدائرة، أي سفربرلك ويقال إنّ أهالي سهل السروج قاموا بقتل المدعو محمد شريف ممّا تكونت لدى المحبين للتراث الكردي المفعم بمآسي عبر التاريخ الطويل على يد المحتلين وما حدث من كوارث بحق الكرد عبر التاريخ.

وانسجامي مع الحالة تعمّق مع دخول الأحزاب الكردية إلى بيتنا عن طريق أخي الأكبر، ورافق ذلك دخول الأدبيات والكتب الكردية الممنوعة من السلطات السورية، وأتذكر منها أبجدية اللغة الكردية أوصمان صبري أحد المؤسّسين لأول تنظيم سياسي كردي سوري صيف 1957، وكذلك تاريخ كرد وكردستان لمحمد أمين زكي وغيرها من الكتب الأخرى، وبعضها يتعلق بالماركسية وفي كل زاوية من زوايا البيت المنسية، كان يدفن تلك الكتب والمجلدات خوفاً من بطش المخابرات السورية، وأحيانا كنا نضعها في أكياس القمح والطحين إلا أنّ تلك المكتبة المدفونة تمّ حرقها من قبل والدتي دون علمي، خوفا من أن يتمّ اعتقالنا لما كان يحصل بين الحين والآخر من مداهمات دون سابق إنذار من قبل الفروع الأمنية المختلفة وللحديث تتمة.