ورقة من الماضي.. أول قدم في دار الدعوة

مدونات - مسجد هولندا
عندما آذنت الشمس بالمغيب في ذلك اليوم الصيفي الطويل دلفت كعادتي إلى صحن المسجد الذي بسطت فيه الحصائر والأفرشة البالية، وشرعنا نترقب صلاة "المغرب".. نهض المؤذن الحاج أحمد يرمي خطواته متثاقلا قد أعيته سنوات العمر الطويل، ورفع صوته المتهدج المبحوح بتلك الكلمات التي تناطح السماء..  الله أكبر، الله أكبر.. وملأ الجو سكينة وخشوعا في جلال الكلمات الخالدة.. 
منذ سنة وزيادة صار هذا المسجد مهوى أفئدتنا، ومنتدى مجالسنا، والرابط بين قلوبنا التي لا تفارقه إلا عادت إليه، وتنسم كل غاد ورائح بهجة النفس، وسرور الروح، بملاقاة الإخوة وشهود الصلوات.. بدا الأمر عالما سحريا ومثاليا، ينقل أحدنا فجأة من اليوميات البئيسة المملولة إلى أقطار فسيحة، وآمال متسعة، وأحلام مبصرة.. كان المسجد يعج بخيرة الشباب الذين أفلحوا أخيرا في مزاحمة الشيوخ الذين عاينوا هوان الدنيا بما جربوه من كر الأيام والليالي فأسلموا أوقاتهم الباقية إلى رباط المساجد رغبة في الآخرة..

كان هؤلاء الشباب يومئذ أصنافا وألوانا؛ منهم صاحب الدعابة المرح الذي ألفه الناس ضاحكا بساما، ومنهم من تعلوه شارات الوقار والجد قلما يظفر منه الناس بانبساط، ومنهم الحيي الكتوم الذي يشبه سرا مغلقا لا يعلم له مفتاح، ومنهم جموع أخرى ضائعة بين هذه الأصناف، تحسن وتسيء، تهفو إلى الخير متى وجدته قريبا بين أيديها، وتتقاعس عنه أو تتوارى كلما شمَّر الجادون وركبوا العزائم.. وكان القاسم المشترك بينهم جميعا هو مقابلات كرة القدم..

وأمام كثرة الشباب تم تقسيمهم إلى فرق بعضهم ينتسب إلى الأكابر.. كنت أنا يومئذ في فريق الأصاغر، وعندي شغف وهوس منقطع النظير بهذه اللعبة التي تسحر الجميع، كان الموعد دائما بعد صلاة الصبح، ربما قطعنا مسافات طويلة راجلين لأداء مقابلة مع فريق مسجد آخر في أقصى المدينة.. كانت أحذيتنا من البلاستيك الذي تنبعث منه روائح مؤذية، ولكن السرور الذي كان يغشانا ينسينا آلام الفقر، ويكاد الإيثار الذي نتبادله بأمتعتنا القليلة كأنه قطعة مهربة من الجنة التي تملأ أحاديثنا البسيطة.. كانت العقوبات في هذا النادي الكروي غريبة أيضا.. فكلما تأخر الواحد منا عن الصلاة أو غاب عنها.. حرم من مقابلة أو مقابلتين.. وما أشقها من عقوبة وما أشده من حرمان لهؤلاء المغرمين بالجلد المنفوخ!

أكثر الأشياء التي بقيت عالقة بذهني من هو اكتشافي للشيخ محمد الغزالي صاحب الديباجة المشرقة.. فقد كان كتابه خلق المسلم من ضمن البرنامج، وقد قرأناه مرارا، وكان من حظي تلخيص أجزاء كبيرة من فقراته وفصوله، وأنا يومئذ في نهاية المرحلة الإعدادية.

أكثر الأوقات جمالا وإشراقا كان دائما بين صلاتي المغرب والعشاء، فهو وقت ممدود قد فرغ فيه كل أحد من أعبائه.. بعد الصلاة يتحلق الشباب في الزوايا المحيطة بالمسجد، بعضهم يستمع إلى قصص طريفة ومغامرات يومية من أجواء المقابلات، وآخرون يذكرون شيئا من المقررات الدراسية القاسية، وفريق آخر يتسلل إلى مكتبة المسجد يقرأ ويتصفح، ويستمع في دهشة إلى محاورات الكبار، ويتعرف إلى أسماء الكتب والمجلدات التي ارتسمت في أذهاننا بالعلوم الخارقة.. نمضي هذا الوقت الذي يقارب ساعة ونصف الساعة كأنه دقائق معدودة من شدة الغرق في متعه وأقباسه وأنواره، والشوق إليه والفرح بأمداده وأنفاسه، ونزداد كل يوم تعلقا به، وغدا اكسيرا يمدنا بحياة أخرى غير تلك العادية التي نحياها في بيوتنا، أو مدارسنا..

ذات ليلة كسائر الليالي التي قبلها، دنا مني أحد الشباب الكبار كان أسمرا طويلا هادئا مواظبا شديد الحرص على تتبع البراعم من أمثالي، يحمل بين يديه كناشا صغيرا، وهمس في أذني خبرا كشف لي سرا جديدا من أسرار هذا العالم، قال لي: أنت وفلان وفلان لبعض الأسماء من أقراني موعدنا بعد صلاة المغرب على الرصيف الواسع للمدرسة قبالة المسجد.. وحانت لحظة اللقاء الأول، جلسنا متحلقين، كان عددنا خمسة أو ستة، ومعنا هذا المربي، افتتح أحدهم بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، ثم شرع النقيب يتحدث، المسلم يحتاج إلى تربية وأخلاق، وهذه الأخلاق لا تكون دون تعلم وتكوين، وهذه الحلقات ستكون مدرسة ثانية تتلقون فيها الآداب والتعاليم، ومدارسة القرآن الكريم والأحاديث النبوية.. ثم أخرج كناشه الصغير وقرأ علينا البرنامج التربوي والتعليمي الذي سيتحول إلى مقررات ثابتة، نلتزمها في هذه المواعيد..

طابت نفسي كثيرا لهذا المشهد، ونظرت في وجوه رفاقي فإذا هم في سكينة مطرقين كأن على رؤوسهم الطير، كل شيء من الأدب حاضر في ذلك المجلس، فالمتحدثون يتناوبون الحديث بعد الاستئذان، وأصواتهم خفيضة، وكلماتهم منتقاة بعناية، وأسئلتهم بريئة، وتعظيمهم للقرآن الكريم باد على محياهم وفي ألفاظهم القليلة، بعضهم يجلله الحياء والخجل، ولا يكاد يبين في جمله وعباراته، وآخرون تطاوعهم الجرأة، وتلين بين أيديهم الكلمات، أما المربي فكان يتلقى بضاعتنا المزجاة بطيب نفس، ويزيدنا تشجيعا كلما تلعثم أحدنا.. في ختام المجلس استمعنا إلى دعاء خافت وقرأنا كفارة المجلس، وانصرفنا إلى صلاة العشاء..

إنها ذكريات الأيام الجميلة الجميلة.. كيف لا وهي ذكريات الروح وأشواقها، والنفس وبهجتها، والمحبة صافية صافية تتبادلها الأرواح المتآلفة المتعارفة.. ولكنها اليوم قطعة من الماضي فيها عبقه وعراقته، وفيها أيضا حسرته وأساه.

لقد انتهت أولى حلقات الذكر.. وأخيرا وضعت قدمي في دار الدعوة التي طالما سمعنا شهدها ومشاهدها، وتلونا أورادها وأحزابها، وطربت أرواحنا لذكر علمائها وأعلامها، وبدأ كل برعم يتحسس موضعه من ذلك النسب الشريف المتصل، وغدا دعاء الرابطة تسبيحا في خلواتنا وجلواتنا، وعند كل اصباح وعشي نترنم بأذكار ومأثورات، ونتهيأ لمواعيد الصلاة والصيام والقيام، وبين أيدينا جدول الصلوات والشعائر الإسلامية، نملأه متجردين، ونعاين فيه تقصيرنا وتفريطنا، ونجدد عزمنا على التوبة، ونتعلم محاسبة النفس ولومها وفطامها عن الشهوات.. أما أكثر أوقاتنا بهجة فكانت رحلاتنا الجبلية التي نتزود منها لحياة الشدة، ونتعود فيها مغالبة المتاعب، وتحمل المصاعب.. إلا أننا غالبا ما نتعامل معها على أنها فسحة رائعة للتخلي عن الجد والصرامة التي نتلقاها في المجالس التربوية..

أكثر الأشياء التي بقيت عالقة بذهني من تلك الأيام الزاكية هو اكتشافي للشيخ محمد الغزالي صاحب الديباجة المشرقة.. فقد كان كتابه خلق المسلم من ضمن البرنامج، وقد قرأناه مرارا، وكان من حظي تلخيص أجزاء كبيرة من فقراته وفصوله، وأنا يومئذ في نهاية المرحلة الإعدادية، وبداية المرحلة الثانوية، كانت تلك الروح النقدية اللاذعة التي يتقنها الشيخ -رحمه الله-قد بهرتني، وأثرت في تفكيري، أما بيانه الساحر، وأسلوبه البديع، وعبارته الرشيقة، وجملته الأنيقة فقد كان ذلك قرة عيني، وسر اعجابي الكبير الذي ازداد وتعاظم مع الأيام..

كلما وقفت اليوم على زاوية من زوايا المسجد أرقب أثرا من تلك الذكريات، وأتفقد أنفاسي وأمنياتي التي شهدتها مع إخواني أرسل تنهيدة طويلة، ويحاصرني الأسى كشأن الإنسان الذي فقد أحبته، فهو يتعزى بزيارة آثارهم وبقاياهم.. هنا كان يجلس فلان يتلو ويرتل، وهنا كان يجلس آخر مداعبا ممازحا.. وفوق هذا الرصيف أو عند تلك الشجرة أو تحت ذلك الجدار درسنا موضوع الصدق أو شرحنا حديث النية أو أفطرنا بعد صيام جماعي..

إنها ذكريات الأيام الجميلة الجميلة.. كيف لا وهي ذكريات الروح وأشواقها، والنفس وبهجتها، والمحبة صافية صافية تتبادلها الأرواح المتآلفة المتعارفة.. ولكنها اليوم قطعة من الماضي فيها عبقه وعراقته، وفيها أيضا حسرته وأساه..