لماذا تخلف علم السياسة الشرعية عن الرّكب؟

blogs كتب
علم السياسة الشرعية علم يبحث فيما تُدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص. وموضوعه: النظم والقوانين التي تتطلبها شؤون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم. وغايته: الوصول إلى تدبير شؤون الدولة الإسلامية بنظم من دينها. والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان. (السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية، عبد الوهاب خلاف. ص:7).
رغم أهمية هذا العلم باعتباره علما يهتم بأصول حفظ الدولة الإسلامية والدود على بيضتها، وتحديد مهام الراعي والرعية فإنه لم يلق اعتناء يليق بمقامه وخطورته. قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء، 58). وَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ أَوْجَبَتْ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا، وَالْحُكْمَ بِالْعَدْلِ: فَهَذَانِ جِمَاعُ السِّيَاسَةِ العادلة، والولاية الصالحة. (السياسة الشرعية، ابن تيمية. المقدمة).

وهذا لا يعني إطلاقا أن العلماء قد أهملوه جملة وتفصيلا، بل مرادي أنه لم ينل حقه في تأليف كتب مستقلة مقارنة مع العلوم الأخرى، بل لا أبالغ إن قلت مقارنة مع جزئيات من علوم أخرى. إن من يتصفح فهارس المكتبة الإسلامية يجدها- والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات- غنية متنوعة، تزخر بالمؤلفات الكثيرة. فلو أخذت جزئية من جزئية أي علم لوجدتَ ما أُلّف فيها يعد بآلاف الأسفار على اختلاف أشكالها وأحجامها ومناهجها. لكن- وللأسف الشديد- فإن المكتبة الإسلامية السالفة الذكر تفتقر إلى كتب علم السياسة الشرعية.

الاهتمام بأمور الحكم قد يؤدي إلى الاصطدام مع الحاكم عند الاختلاف، وقد شهد التاريخ الإسلامي أحداثا تم فيها اعتقال العلماء أو إبعادهم أو تهميشهم في أحسن الأحوال. وهذا ما يفسر تهميش هذا العلم من قبل كثير من العلماء.

ورغم طبع أكثر من مائة مخطوط في علم السياسة الشرعية في العقد الأخير، فإن أوراش هذا العلم تبقى نادرة والاشتغال به يبقى على هامش أبحاث العلماء، مع الإشارة إلى أننا – والحمد لله- بدأنا نشهد حركة تأليف وبحث محمودة في العقدين الأخيرين. فلماذا لم يهتم العلماء بهذا العلم؟ يرجع هذا "العزوف" إن صح التعبير إلى سببين رئيسين:

الأول ذاتي متعلق بالعلماء أنفسهم، وكأنهم يرون في العلم اهتماما بالسياسة، وهذا من شأنه أن يحط من شأنهم ويضع مكانتهم، فهو علم مخاطره كبيرة وقلما ينجو منها من اشتغل به. ولهذا تجد أن كثيرا من العلماء اعتزلوا الخوض في أمور السياسة الشرعية حفاظا عن مروءتهم وحيادهم.

والثاني وهو الأهم أن السلاطين لم تكن تسمح للعلماء بالخوض في أمور الحكم إلا بما يتماشى مع مذاهبهم وآرائهم ويخدم مصالحهم. فكثيرة هي الإيحاءات السلطانية التي توحي بالسلطة المطلقة للسلاطين على أمور الحكم، وإن استشاروا علماءهم فهم مخيرون بالأخذ بالمشورة أو تركها.

إن الاهتمام بأمور الحكم قد يؤدي إلى الاصطدام مع الحاكم عند الاختلاف، وقد شهد التاريخ الإسلامي أحداثا تم فيها اعتقال العلماء أو إبعادهم أو تهميشهم في أحسن الأحوال. وهذا ما يفسر تهميش هذا العلم من قبل كثير من العلماء، وإذا تكلموا فيه اقتصروا على الشق المتعلق بالرعية من وجوب الطاعة والمطاوعة، وتجنبوا المسائل التي من شأنها إثارة حفيظة القادة. وهذا دليل على وجود نزعة استبدادية نشأت منذ انقضاء الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا، مع بعض الاستثناءات.