شعار قسم مدونات

قراءة هادئة للفعل الاحتجاجي بالريف

blogs - الشرطة في ريف المغرب
رغم محاولات الابتعاد المتكرر عن هذ الموضوع، إلا أنني وجدت نفسي منغمسا في نقاشات حول طريقة تدبير حراك اجتماعي بمنطقة الريف مع العديد من الأصدقاء، ليأتي الدور للانضمام إلى جيش المدونين ومؤثري مواقع التواصل والمحللين، ممن أدلوا بدلوهم سلبا وإيجابا في موضوع يدخل في إطار ارتفاع الطلب الاجتماعي وتنامي السلوك الاحتجاجي بالمغرب.
منذ أزيد من 7 أشهر، يعيش الريف حراكا مجتمعيا، خصوصيته مطالب اجتماعية وتنموية بالأساس، واستطاع هذا الحراك ضمان هامش كبير من الاستقلالية، بعد تحييد العديد من التيارات السياسة في المنطقة، وهو الأمر الذي انعكس على آليات الوساطة وأفقدها الشرعية، ومع تسارع الأحداث أصبحت الهوة تتسع بين مدبر الملف على مستوى الحكومة أي وزارة الداخلية والحراك ومطالبه، وهو الأمر الذي يستدعي وقفة متأنية حول مسار عملية حلحلة الأزمة.

وفي إطار المحاولة لوضع أرضية، وجب أن نشير هنا إلى أن التغيرات السياسية التي تمس حياة المواطنين لا تظهر من خلال العملية السياسية الديمقراطية العادية (كالانتخابات وغيرها)، ولكن من مناسبات أو ظروف أكثر ندرة حينما تكون حدود السياسات الديمقراطية نفسها في خطر. مما يعطي أهمية إضافية لرجة الثورية الحالية والتي هي امتداد لما جاء مع الربيع العربية، كما أسماها الأستاذ عبد الحي الموذن، غير أنها وعلى عكس حالات التغيير السياسي السابقة، ليست موجهة ضد طرف خارجي، وأن مطالبها تتعدى الدعوة إلى تلبية الحاجات المادية للمواطنين إلى قضايا غير مادية مثل الحرية والكرامة ومحاربة الفساد، ثم إن محركها الأول والأساسي هو الشارع، المجتمع المدني، وليس مؤسسات الدولة وهيئات الوساطة المنظَّمة كما كان الأمر في حالات التغيير السابقة. 

وهو ما يزكي نظريات مثل نظرية تعبئة الموارد، التي تدخلنا في إطار السيسيولوجيا السياسية كمدخل لتوضيح ماهية الدور المركزي للفاعلين في الحركات الاجتماعية، والتي ترتكز أساسا على أهداف يسعى لتحقيقها، عبر اللجوء إلى توظيف وسائل غير تقليدية، والتي من بينها الاحتجاجات كشكل من التعبير السياسي تظهر خارج المؤسسات الرسمية التي تتمثل في الأحزاب والنقابات.

بالرغم من جاذبية الحركات الاحتجاجية بوصفها تجسيدا للفعل التواصلي، لكن وجب الحذر من مخاطر المجتمع الجماهيري الذي يولد مجتمع مستهلكين متفردين ومنعزلين في شكل عشائر أو طوائف منغلقة في دفاعها عن كيانها باسم حـرية العيـش والتفـكـير.

نحن اليوم مجبرون على قراءة مآلات الراهن وليس تقديم تفسيرات أو مبررات، والتي قد أسقطت العديد من الباحثين والإعلاميين في عاصفة من الانتقادات أثناء تغطيتهم لأحداث الحراك، وجب أن نشير إلى كون التغطية والمعالجة الإعلامية عرفت العديد من الاختلالات والهفوات سواء من لدن إعلامنا العمومي أو عبر منابر إعلامية دولية تدعي المهنية والموضوعية.

أبرز هذه الاختلالات التي طبعت الحراك مؤخرا ومحاولات فهم وتفكيك ما يقع؛ يمكن اختصارها منهجيا كالتالي:

1- تجلت في استضافة بروفيلات بعيدة كل البعد عن تخصصات قادرة على توضيح الصورة للمشاهد المغربي والعربي المتعطش لفهم ما يقع، إذ لم يتم استضافة أي باحث أو متخصص في الحركات الاحتجاجية أو السيسيولوجيا السياسية، وهو الأمر الذي سمح بتمرير مغالطات، إذ تم تحويل تغطية التوك شو الذي تقدمه القنوات الإخبارية إلى مساحة لنقل الصراع السياسي وشخصنته، كان الأولى أن يكون الخطاب خطاب حكمة وتبصر بدل حملة تغيير الحقائق وإلصاق التهم المتبادل.

2- كشف الحراك حقيقة أساسية وهي عدم قدرتنا على تدبير الاختلاف، وانعدام هذه الثقافة في فضاء كان الأولى تقديم المثال للاقتداء، كما تم تكريس صورة صمت النخب وانفصالها عن القاعدة، هذه النقطة ليست بالجديدة، فالتاريخ حافل بمحطات أظهرت رفض المفكرين التعاطف مع حركات العمال.

3- استمرار المغرب في مسار مقتربات الليبرالية السياسية العربية التي جاءت بعد الثمانينيات، والتي أنتجت تململ السلطوية العربية وتدشينها لسلسة من الإصلاحات تمت في سياق موجة الدَّمَقرطة المعروفة بالموجة الثالثة، والتي بدأت بسقوط الأنظمة العسكرية، إذ ما يقع في المغرب ما هو إلا استمرار لتحولات السلطوية العربية وصفتها تبني تعددية حزبية وتوسيع مجال حرية التعبير وتقليص الهيمنة المباشرة للدولة على الاقتصاد. مع ضرورة التوضيح على أن أبرز مقترباتها كانت الانتقال السلس دون حاجة لثورات والتأني كسلطوية جديدة توظف آليات الليبرالية السياسية لتجديد وتمديد هيمنة النخبة السياسية القائمة، وهنا لا يستدعي الأمر الكثير من التفكير لموضعة المغرب ومساره السياسي.

4- إن محرك الاحتجاج في الريف يكمن في القدرة على إعطاء معنى للأحداث، بشكل يسمح بتعبئة المؤيدين وتوسيع دائرتهم ويضعف المناوئين وقدرتهم على صنع رد الفعل، وهو ما تشكل بعد تمكن النشطاء في الريف من أي يضفوا معنى للحراك عبر حادث وفاة محسن فكري، بشكل جعل منه إطارا يعبئ. واستمر في محطة أخرى مع اعتقال الزفزافي، وهو أمر لا يتعلق بالقدرة التنظيمية على التعبئة، كما تقول بعض الأطروحات النظرية بقدر ما هو مرتبط بالتمكن من خلق المعاني المعبِّئة.

وهنا وجب استحضار قوة مواقع التواصل الاجتماعي، إذ الملاحظ أن البث المباشر بالفيديو ساهم باعتباره آلة لإنتاج المعاني والمشاعر السياسية ذات البعد التفاعلي وتأويلها لما يخدم الحراك، رغم أنها أسقطت الإعلام في ممارسات لا مهنية أساسها عدم التثبت من الخبر، إذ العديد من الأخبار التي تم تداولها صباحا سرعان ما يتم نفيها في المساء، في نفس المنبر ونفس الصحفي وهو أمر يفقد العمل الصحفي مصداقيته.

الحراك يطرح العديد من التساؤلات تبقى مفتوحة للتفاعل الجمعي، إذ إلى أين تتجه مسارات الاحتجاج المغربي هل لديه القدرة لتحول وتحقيق مطالبه وأهدافه بالتالي إنجاح الانتقال من الاحتجاج العرضي إلى الحركة الاجتماعية القوية والفاعلة.

5- سلوك الاحتجاج الذي يعرفه المغرب يمكن اعتباره عفويا، ويبقى البعد العفوي ثابتا بمقدار ما في كثير من الحركات الاحتجاجية بالمغرب رغم تحولها في السنوات الأخيرة، لكن ما يجدر الانتباه إليه هو أنه بالرغم من جاذبية الحركات الاحتجاجية بوصفها تجسيدا للفعل التواصلي حسب تعبير "يورغن هابرماس" للفضاء العام، لكن وجب الحذر من مخاطر "المجتمع الجماهيري" الذي يولد مجتمع مستهلكين متفردين ومنعزلين في شكل "عشائر" أو "طوائف" منغلقة في دفاعها عن كيانها باسم حـرية العيـش والتفـكـير وتنظيم أنفسهم على النحـو الـذي يـريدونه كما عبر عنها "آلان تورين".

ولربما صعود الحركات الاحتجاجية مرة أخرى بعد سنوات من مرحلة الحراك العشريني بصيغة الدفاع عن المصالح الفئوية (حالتي طلبة كليات الطب والأساتذة المتدربين، النساء السلاليات) والمحلية (مثل حركة الشموع بطنجة ضد غلاء فواتير "أمانديس – اميضر – الريف حاليا") وبصيغة الممارسات السياسوية والشعبوية (التدخلات المناوئة لوقفات التضامن مع الريف الأخيرة) تكشف حجم إمكانات ومخاطر الحركات الاحتجاجية حاضرا ومستقبلا، وهو ما قد يؤثر على التجذر الاجتماعي للفعل الاحتجاجي.

في الختام… الحراك يطرح العديد من التساؤلات تبقى مفتوحة للتفاعل الجمعي، إذ إلى أين تتجه مسارات الاحتجاج المغربي هل لديه القدرة لتحول وتحقيق مطالبه وأهدافه بالتالي إنجاح الانتقال من الاحتجاج العرضي إلى الحركة الاجتماعية القوية والفاعلة، كيف سوف ينعكس الحل على باقي الفئات الاجتماعية والمناطق بالمغرب، وماهي مقتربات الحل لدى الفاعل السياسي أمام فضاء سياسي أفرغ من قدرته على الوساطة.