يوسف يعلِّم قَطر كيف تتعامل مع الحصار

لا تقبل العاهرات بوجود عفيفة وسطهن، فوجودها وظهورها يكشف حقيقة ما هم عليه من الرذيلة، فهي في نظرهن الفاضحة الحقيقية لهن وليس أفعالهن السيئة المشينة، لذلك يضغطون عليها حتى تصبح مثلهن، ويصدق فيهن المثل القائل (كلنا في الهوا سوا) واستجابة العفيفة لهن (تنازلها) لا يعني إلا شيئا واحدا فقط وهو ضياع شرفها المؤدي لمزيد من الفواحش والمنكرات. أما الثبات ولو بتحمل التضييق والعقوبات، فمآله هو الرفعة والعزة في الدنيا قبل الآخرة، حتى لو كانت نتيجته هو الموت في سبيل ذلك.

 

كادت دول الخليج التي أعلنت المقاطعة الظالمة أن يرفعوا شعار (أخرجوا القطريين من منطقتكم إنهم أناس يتطهرون)، فجريمة قطر هنا هي دعم الإرهاب (حركة المقاومة الإسلامية حماس، وإيواء بعض السياسيين المطاردين من جماعة الإخوان المسلمين)، فقد صرح وزير الخارجية السعودي بأن الكيل قد طفح بسبب دعم قطر لحماس والإخوان. وقال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: على قطر طرد جميع أعضاء حماس من أراضيها.

 

اعتمدت تركيا شعار (الاشتباك حتى الموت) في مواجهة انقلاب يوليو (تموز) 2016، فكانت النتيجة أن بقي الرئيس التركي عزيزا مرفوع الرأس، وأذل الله أعداءه المشاركين في هذا التحرك الفاشل

رغم أن حماس ليس لها أي نشاط غير مواجهة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية!! لكن طالما أن السيد ترمب قال إنها منظمة إرهابية، وطالما أن طويل العمر أدام الله بقاءه قد أقر هذا الوصف في مؤتمر (الضرار) بالرياض، فلابد من خطوات عملية تثبت صدقهم في الانصياع لأوامر السيد ترمب، فكانت المقاطعة، وكانت هذه المطالبات!! وصدق فيهم قوله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ"

 

وربطا بين هذا الموضوع والموضوع الذي بدأتُه الأسبوع الماضي هنا بالحديث عن قصة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، وجدت قول يوسف: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، هو الجواب الأمثل على مثل هذه المطالبات الفاجرة، فكانت النتيجة أن اعتذرت له امرأة العزيز وبقية النسوة، كما رفعه الله عز وجل وجعله عزيز مصر، وقد اعتمدت تركيا هذا السبيل عندما رفعت شعار (الاشتباك حتى الموت) في مواجهة انقلاب يوليو (تموز) 2016، فكانت النتيجة أن بقي الرئيس التركي عزيزا مرفوع الرأس، وأذل الله أعداءه المشاركين في هذا التحرك الفاشل، ولو قُتِل أردوغان وقتها، للقي ربه عزيزا مرفوع الرأس كذلك. وهذا في الحقيقة هو الهدي النبوي، والنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون لهم والمقتدون بهم إلى يومنا هذا، وفي المقابل وجدنا أن منهج التنازلات الذي تبنته الحركات الإسلامية التقليدية قد أهوى بها في واد سحيق.

 

الجواب عن فعل عمار بن ياسر

وقبل أن يذكر أحد ما فعله عمار بن ياسر رضي الله عنه وإقرار النبي عليه الصلاة والسلام له، أذكر بأن والدَي عمار قد قُتِلا دون أن يقدم أحد منهم تنازلا للكفار، وقد ثبت بلال وفُعِلَ فيه ما فُعِل، وصدع أبو ذر بإسلامه في نادي الكعبة وتعرض للأذى الشديد في مقابل ذلك، كما جهر عبد الله بن مسعود بالقرآن أمام المشركين فاجتمعوا عليه وضربوه، وثبت خُبَيْب بن عَدِيّ حتى قتلوه وصلبوه، والأمثلة المقابلة لفعل عمار كثيرة جدا، لذلك بوب الإمام البخاري قائلا: باب: مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ. وذكر فيه عدة أحاديث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ"

 

يوم مؤتة قد أثخن المسلمون في الروم إثخانا شديدا، وقتلوا منهم أعدادا ضخمة، وما عاد خالد إلا بعدما استنفد كل الأسباب التي تعينه على تحقيق النصر الكامل، ولذلك سماهم النبي صلى الله عليه وسلم (الكُرّار)

وقال ابن بطال: أجمع العلماء أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة. اهـ، وإذا كان هذا في أمر فيه رخصة من الله، فإن الأمر إن كان متعلقا بدماء أو أعراض المسلمين كما هو الحال في القضية محل النقاش، فقد أجمعوا على انه لا رخصة فيه لأحد أصلا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»، فكيف إذا كان الأمر متعلقا ببلاد المسلمين ومقدساتهم التي منها القدس والمسجد الأقصى؟

 

الحديبية ومؤتة

ومن أكثر الوقائع التي يستشهد بها أصحاب منهج التنازل عند التضييق، ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وما فعله خالد بن الوليد من انسحابه بالجيش يوم مؤتة، وهذا من باب وضع الأمور في غير نصابها، ففي الواقعتين كان المسلمون في حالة هجوم لم يكونوا في حالة دفاع، والرجوع في الحالتين لم يضر المسلمين شيئا، ولم يفقدهم شيئا من ديارهم وأراضيهم، وزد على ذلك أنهم ظفروا باعتراف قريش بالدولة الإسلامية يوم الحديبية، وحصلوا منهم على وعد بالعودة لأداء العمرة في العام التالي، ورغم هذا لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير وأبا جندل من تأسيس حركة مقاومة لظلم قريش وجبروتها، حتى أجبروهم على إلغاء البند المتعلق برد من جاء مسلما من مكة إلى المدينة.

 

ويوم مؤتة قد أثخن المسلمون في الروم إثخانا شديدا، وقتلوا منهم أعدادا ضخمة، وما عاد خالد إلا بعدما استنفد كل الأسباب التي تعينه على تحقيق النصر الكامل، ولذلك سماهم النبي صلى الله عليه وسلم (الكُرّار)، وقد ذكرت بعض كتب السيرة أن خالدا وضع خطة أجبرت جيش الروم على الانسحاب أولا من أرض المعركة، والأهم من ذلك هو أن الانسحاب والتراجع يؤدي إلى فصل القوات عن بعضها وعودة كل فريق إلى مكانه بعيدا عن الآخر، وهذا غير متحقق في المسألة محل النقاش، حيث إن تراجع قطر وتنازل حماس واستسلام الإخوان لن يترتب عليه إلا مزيدا من التوغل والتحكم في سياسة قطر (وخاصة الإعلامية)، ومزيدا من الضغط الصهيوني للقضاء على حماس، ومزيدا من التمكين لدولة العسكر المعادية للإسلام في مصر.

 

إلى أين وصلت الأمور؟

أكتب هذا الكلام وأنا لا أعرف إلى أين وصلت الأمور، وما هي درجة صمود وتحمل القطريين للضغوط والتهديدات السعودية الإماراتية المصرية، لكني أتركه كتأصيل وتفصيل عام لهذه الحالة وأشباهها، وقد أسعدني خبر إقرار البرلمان التركي لمشروع زيادة الجنود الأتراك في قاعدتهم في قطر، مما أدى لإحداث إرباك شديد في حسابات الخصوم وتحركاتهم.

 

أتمنى أن يرفع القطريون شعار (لا تراجع ولا استسلام) حتى لو كان مصيرهم نفس مصير أصحاب الأخدود، أو مصير حسن البنا وسيد قطب، فإن التاريخ لا يسيء للثابتين على قيمهم ومبادئهم ولو ماتوا في سبيلها، لكنه يلعن المتخاذلين والمستسلمين لأعدائهم

وبدأ ترمب اتصالاته بالقطريين (وهي اتصالات لا تخلو من تآمر متلون)، لكن على العموم هي تحركات تركية واعية، لعلمهم أن التخلص من قطر وإسكات الجزيرة بمنابرها المتعددة سيعقبه هجوم على السياسة التركية، وقد يصل الأمر إلى إعادة كَرّة الانقلاب أو حتى الحرب المباشرة على الدولة التركية. وخيرا فعلتْ قطر حين كان اعتمادها على تركيا أكبر من اعتمادها على إيران رغم قرب إيران جغرافيا، لأن تركيا تصلح حليفا مخلصا استراتيجيا، أما إيران فبالكاد تصلح حليفا مؤقتا عند الاضطرار، وجرائمها الأخيرة في العراق وسوريا واليمن خير شاهد على ذلك.

 

لذلك أتمنى أن يرفع القطريون شعار (لا تراجع ولا استسلام) حتى لو كان مصيرهم نفس مصير أصحاب الأخدود، أو مصير حسن البنا وسيد قطب، فإن التاريخ لا يسيء للثابتين على قيمهم ومبادئهم ولو ماتوا في سبيلها، لكنه يلعن المتخاذلين والمستسلمين لأعدائهم ولو عاشوا بعد ذلك حينا من الدهر، وقد قيل: وإذا لم يكن من الموت بدٌّ .. فمن العار أن تموت جبانا. كما أن المواجهة والصمود تحمل احتمالا ولو ضعيفا للنصر، أما التنازل أو التراجع فليس فيه أدنى احتمال لنصر أو عز.

 

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم التبشير حال اشتداد المِحَن، فقد قال لخبّاب بن الأرَت حينما شكا له شدة إيذاء المشركين لهم: "وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ" وقال حين اجتماع الأحزاب حول المدينة وهو يضرب الحجر أثناء حفر الخندق: «اللَّهُ أَكْبَرُ, أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ», ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ, أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ», ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ», فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ, وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ, أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ» قال هذا في وقت كان أحدهم لا يستطيع أن يقضي حاجته من شدة الخوف.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نددت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكتلة الإصلاح النيابية الأردنية وحركة حماس بقطع عدة دول علاقاتها مع قطر، وعالميا أعربت الأمم المتحدة عن أملها أن تؤدي الجهود الإقليمية لحل الأزمة بالخليج.

أعلنت منظمات ماليزية رفضها للإجراءات التي اتخذتها دول عربية وإسلامية بقطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حصار جو وبري على قطر، ودعت الحكومة الماليزية لعدم الانجرار إلى ما اعتبرته مؤامرة ضد قطر.

الأكثر قراءة