مصائرنا الفردية والسياسات العامة.. أو حلم بحجم مقهى

اتصلت صديقتي التركية من أنقرة تطمئن على أحوالي لكوننا لم نلتق منذ مدة. أعادت على السؤال الذي تطرحه في كل اتصال او لقاء "إذا. هل ستبقون هنا أم تفكرون بالهجرة؟ " فأكرر بدوري الاجابة نفسها "لا، نحن باقون". وفي الاتصال الاخير أضفت "في الواقع أحاول اقناع زوجي بضرورة السعي لاستصدار جنسية تركية إذا ما فكرنا في تكوين أسرة". أجابت من فورها "يا إلهي! أنتم فعلًا اشخاص شجعان". ضحكت بشيء من الاستسلام وقلت "لا بل ليس لدينا خيارات كثيرة". "وكندا؟ قالت. نحن نفكر بالهجرة الى كندا. من أجل اولادنا على الاقل. المنطقة كلها ذاهبة الى المجهول".

 

فعلًا المنطقة كلها ذاهبة الى مجهول، ونحن أشخاص نريد أن نعمل من أجل الـ "ويك اند"، والاجازة الصيفية، والتقاعد. هل أصبح ذلك حلمًا صعب المنال؟

 

كيف أقول لصديقتي إن بلدها الذي تقلقها ظروفه السياسية والامنية والاقتصادية الحالية، هو طموح أشخاص مثلنا؟ كيف أقول لها إن المجهول الحقيقي هو ذلك الذي يحدث في جزئي أنا من المنطقة، وأنني لشدة ما بت مشتتة بين حياة جيدة وهانئة هنا في بلدها، وأخبار بائسة ودموية تصلني يوميًا من بلادي قاربت حالة الانفصام؟

 

لا يمكنني طبعًا ان أفصح بذلك. فنحن الذين يفترض إننا نتشابه الى حد بعيد، ونتشارك في تطلعاتنا لبلداننا وأسرنا الناشئة ومهننا، لا يمكننا أن نتبارز في البحث عن الاقل حظًا بيننا. فأنا أعلم جيدًا معنى أن يقيم أجانب في بيروت فيمتدحون انفتاح لبنان بكامله انطلاقًا من بعض احيائها. أدرك معنى أن يسحرهم وجهنا الغربي وحرية المرأة والمعتقد وطلاقة اللسان وتعدد اللغات، بغض النظر عن نظام سياسي بائد ووضع اقتصادي قاتل، وقوانين رجعية ومجحفة إن وجدت اصلًا.

 

أذكر نفسي جيدًا أقول لهم إنهم يعيشون الوجه السياحي من مدينتي، وأن "الميني جوب" على أهميتها، وتمسكي الشخصي بها، ليست وحدها ما يكرس حريتي كامرأة في بلدي.

 

أنا لا اريد أن أكون ذلك الشخص في بلد صديقتي. سألتها ماذا ستفعلين إذا ذهبت الى كندا؟ لن تتمكني من مزاولة مهنتك التي تبرعين فيها ولن تتمكني من اختيار مهنة جديدة الآن؟ قالت "لا أعلم. ربما أعمل مترجمة، أو افتح محلًا أنيقًا وأصبح تاجرة". وضحكت ثم أردفت "وهل تعتقدين أنك ستبقين صحافية في هذه الظروف؟ تعقلي بالله عليك. ".

 

هل سأبقى صحافية؟ أو بالأحرى كيف أبقى صحافية؟ سؤال يؤرقني منذ مدة. وإن لم أكن صحافية فماذا أكون؟ أقول أحيانًا إنني اريد أن افتتح مقهى يجتمع فيه الناس لشرب القهوة ولكن ايضًا للنقاش في قضاياهم وعرض الكتب والافلام، فأكتب حينها براحتي. بلا ضغط الوقت، وشروط سياسات التحرير واي ظروف اقليمية خارجة عن ارادتي. أقول انني ساعتها، سأصبح رهن مزاجي فقط لا غير.

 

قرارات كثيرة كالسكن، والعمل والحب والارتباط والانجاب وافتتاح حساب توفير مصرفي، وتخطيط اجازة الصيف، وشراء عقار أو سيارة، وحتى ملاء استمارات التأشيرات. تتطلب قرارات هي في نهاية المطاف شجاعة.

وكلما طرحت الفكرة على اصدقاء يفصحون إن ذلك حلمهم أيضًا! حتى إننا ذات سهرة بدأنا بالتخطيط لسلسة مقاه تمتد على مدن اغترابنا وتشترك بالـ "كونسيبت" نفسه. حتى صرخ بنا صديق مصري قائلًا "في ايه؟ معقولة يبقى حلمنا كلنا نكون يا قهوجية يا متلاطيين ع القهوة؟ ". نعم، قال آخر: ده حلمنا، طول عمرنا!

 

والحال إن المقهى، بما يمثله لنا من حيز حرية وأمان، ومتعة وانتاجية، على ضآلة ذلك كله، هو ما نصبو اليه في بلداننا التي وعلى اختلاف تجاربها، تشاركت في حرماننا من تلك الفسحة. فأنا إذ انظر إلى اصدقاء كثر من حولي، سواء في مهنتي أو في مهن تقاربها وتتطلب أفق حريات واسعًا وأرضيات صلبة، كالحقوق أو الميديا أو الاكاديميا او التكنولوجيا الجديدة أو الفنون والمجالات الابداعية، اجدنا كلنا بلا استثناء رهن قرارات لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

 

مصائرنا كأفراد وخياراتنا الذاتية ترتبط بشكل مباشر وتلقائي بسياسات اقليمية وتحولات كبرى وتحالفات هنا أو حروب هناك. ليس ذلك إن غيرنا من أبناء مجتمعاتنا ليس متضررًا أو مستفيدًا (بطبيعة الحال) لكننا الشريحة الأسرع في البحث عن مقومات حياة في مهاجر قريبة أو بعيدة، والاكثر قدرة على ايجاد تلك الفرص في الخارج. فقرارات كثيرة كالسكن، والعمل والحب والارتباط والانجاب وافتتاح حساب توفير مصرفي، وتخطيط اجازة الصيف، وشراء عقار أو سيارة، وحتى ملاء استمارات التأشيرات. تتطلب قرارات هي في نهاية المطاف شجاعة.

 

وسواء كنا شجعانًا أو لم نكن، ذلك لا يغير الكثير في المعادلة. سنبقى نحن هنا، وقد تحظى صديقتي وعائلتها بفرصة الرحيل الى مكان أفضل ككندا. لكننا أنا وهي، وغيرنا كثيرون، سنبقى متأرجحين بين نوستالجيا اوطاننا وحلم حرية بحجم مقهى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت الخارجية الجيبوتية تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي لدى دولة قطر، وقالت إن القرار يأتي تضامنا مع "التحالف لمحاربة الإرهاب والتطرف". وفي السياق، أعلنت الخارجية السنغالية استدعاء سفيرها لدى قطر للتشاور.

الأكثر قراءة