كلنا ناصر

تدافع الإرادات، بين إرادة تطمح وتطمع وتتمنى أن يتغير واقع حالها من ظلام وظلم حالك، ومن تهميش وقهر وكم للأفواه واستعمال كل أشكال المكر الميكيافيلي للتخنيع وترويض الشعب حتى يصير عبدا في بيت الطاعة، صك عتق رقبته بيد سيده، فهو لا يملك لا روحه ولا جسده، لا يملك حق الاختيار، عليه أن ينقاد ويسلم أمره للسيد مالك الصك لأنه سلعة للبيع وليس أدميا مكرما.

كلنا "ناصر" حكاية ليس الغاية منها شخصية ناصر في حد ذاتها وإنما هي حكاية شعب، حكاية وطن جريح كسيح، تحول إلى ضيعة للحاكم، المواطنون فيه هم عمال ليس إلا في تلك الضيعة! فكل ما يقدم لهم إنما هو هبة من صاحب الضيعة، لا يصح ولا يقبل أن يظن أحدهم أن ما يحصل عليه من أجر أو ما يوهب من (حقوق) هي له أو هي واجب الدولة نحو مواطنيها.

فإن كان ذلك هو الظن فقد وضع نفسه خارج سياق منظومة الضيعة وقوانينها لأن كل شيئ فيها هو تحت الرعاية السامية والسامية فقط. في وطن "ناصر" فوارق هائلة بين القوى التسلطية والجماهير الشعبية التي تشكو غياب الخدمات على أنواعها، وفرص العمل، وتدني الدخل الفردي ومستوى التعليم وغيرها، وتهريب ثروة البلاد إلى الخارج وتمركز الثروة في الفئة المنفذة.

رمزية ناصر لا تكمن في شخصه وإنما في المعاني التي انتفض من أجلها، لا نريد أن نبقى عبيدا، ولا نقبل أن نعيش في ضيعة أحد، ولا نستجدي الشغل والعمل لأنه حق لا منة من أحد.

فالدولة في بلد ناصر لا تحمي نفسها عبر ضمان الحقوق الفردية والجماعية، وروح المواطنة والتنمية المستدامة، بل بالقمع وحده وتأمين الوراثة من الآباء إلى الأحفاد. في وطن ناصر يُغيب المواطن الحر وتحارب ثقافة التغيير بالإجبار على السكوت تحت طائلة السجن، ومعها تصبح كل مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني، ملحقة قسرا بأجهزة الدولة التسلطية مهمتها فقط أن تكون جزءا من تحديث الدولة التسلطية وضمان استمراريتها مهما كلّف الثمن.

في بلد "ناصر"، الاستبداد الناعم هو الأصل، ولذلك فهو يدخل الجميع في ملهاة ديمقراطية شكلية سراب ليس إلا هدفها أن يصبح الكل، أفرادا وجماعات، ونقابات وأحزاب سياسية تحت إبط السلطة والسلطان، تسويق الوهم وتجميل الوجه بالمساحيق، لأن السلطة فيه فوق القانون لا تخضع له وإنما يمارس سلطانه على الشعب فقط.

كلنا ناصر، لأن رمزية ناصر لا تكمن في شخصه وإنما في المعاني التي انتفض من أجلها، لا نريد أن نبقى عبيدا ولا نقبل أن نعيش في ضيعة أحد، ولا نستجدي الشغل والعمل لأنه حق لا منة من أحد، لأن زمن التخوين قد ولى وزمن التخويف والقمع لن يزيد الشعوب إلا إصرارا وصمودا.

كلنا ناصر لأنه من حقنا العيش الكريم، ثروات البلاد ملك لأبناء الشعب، وحق لأبناء الشعب من أجله ولأجله تكون خادمة، لا نريد أحدا فوق القانون، نريد مؤسسات حقيقية تعبر عن إرادة الشعب مسؤولة أمامه، لا نريد كراكيز سياسية ولا دكاكين حزبية. نريد قطيعة مع نظام الفرد وحكم الاستبداد، قطيعة مع التدبير الأمني لكل مفاصل الحياة، فليس من حق أحد أن يستعبدنا وقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، فنحن لسنا في ضيعة أحد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

فتحت مراكز الاقتراع أبوابها اليوم الخميس عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي بالمملكة المتحدة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة تأمل رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي تعزيز الأغلبية التي يتمتع بها حزبها بالبرلمان.

الأكثر قراءة