قَطر ومنافسوها الجديد

يبدو أنّ جزيرة العرب كانت على موعدٍ مع حظٍّ غيرِ ذي نَفْعٍ بحلول شهر رمضان المبارك.. فما إنْ بزغَ الهلالُ وسُرَّ المواطن العربي بصيام المسلمين عامةً في يوم واحدٍ دون اختلافٍ واسعٍ في رؤية الهلال، حتى طالعَتنا أنباءٌ ليتها ما كانت من أرض جزيرة العرب، تشقّ الصفّ العربي في صميمه، وتُذهِبُ ريحَ رمضان التي تحمل بشارات الخير والتعاضد..

ثلاثُ دولٍ خليجيّة ذواتُ يدٍ طولى في مجلس التعاون الخليجي، يقطعون وبشكل سريعٍ ومفاجئ علاقاتهم الدبلوماسية مع إمارة قطر ويبدؤون بتنفيذ هذه المقاطعة فوراً وبدون إفساح المجال لا لاعتذارٍ خفيٍّ، أو بوادر حُسنِ النيّة والجوار، مُستَبِقين ذلك بِنَسبِ تصريحاتٍ ملفّقة ضد أمير قطر من خلال ما قالت وزارة الخارجية القطرية بأنه اختراقٌ مُمنهَج لوكالة الأنباء القطرية وقد نفت ما جاء في تلك التصريحات جُملة وتفصيلا..

ولو أردنا الدخول إلى نفقِ الأسباب التي تقف وراء كل ذلك لوجدنا أنّ هذا النفق محفوفٌ بالمحاذر التي لابد مِن أخذِها بالحسبان، فالمملكة العربية السعودية ليست بالمنافس السهل أو المَرِن الذي يمكن تجاهله وكأنه لم يكن، فهي دولةٌ لها مكانتها الدينية في العالم الإسلامي ولها وجودها السياسي كلاعبٍ أساسي في المنطقة، ولكنّ اللافت للانتباه هو التصريحات الصادمة التي أطلقها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير متّهماً قطر بدعمها للإرهاب، ومُعِيباً عليها دعمها لحركة المقاومة الفلسطينية حماس، وكأنّ حماس التي تدافع ومن خلال مسلحي كتائب القسام عن حقوق الشعب الفلسطيني أصبحت حركةً إرهابيّةً منبوذةً من قِبَل بلاد الحرمين الشريفين، وذلك على غير العادة.

 

شكّلت تصريحات الوزير الجبير صدمةً مزعجة في الأوساط الفلسطينية، وقد عبّر ساسةُ حماس عن ذلك موجّهين بيانات الاستنكار والشجب ضد هذه التصريحات التي لا يستفيد منها إلا العدو الصهيوني ومن يلفّ في فلكه

فحماس لم تُهاجَم هذا الهجوم من مسؤولي المملكة في السابق، بل على العكس تماماً، فإنّ الرياض كانت الراعي الرئيس لاتفاق الصلح بين حركتي فتح وحماس في مكة بعد اقتتالٍ دامٍ بين الحركتين، وقد زار الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل السعودية أكثر من مرة، ولقيَ من الاحترام وحُسنِ الاستقبال ما لَقِيَهُ من ملك السعودية آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز، فإذا كانت حماس حركة إرهابية كما يزعمون، فلماذا اُستقبِلَ مسؤولوها استقبال الفاتحين فيما سلف؟ ولماذا أصرّت المملكة على عقد اتفاق مكة الذي حظيَ باعتراف عربي لا بأس به؟ ولماذا افترشوا البساط الأحمر للحمساويين في مرحلةٍ ما؟ أم إنّ حماس انتهى دورها بالنسبة للملكة بمجرّد أن نعتَها دونالد ترمب بالإرهابية أثناء زيارته التي قامَ بها إلى السعودية والتي ماتزال غرف السياسة مشغولةً بها حتى الآن.. 

في الحقيقة شكّلت تصريحات الوزير الجبير صدمةً مزعجة في الأوساط الفلسطينية، وقد عبّر ساسةُ حماس عن ذلك موجّهين بيانات الاستنكار والشجب ضد هذه التصريحات التي لا يستفيد منها إلا العدو الصهيوني ومن يلفّ في فلكه..

الأمر الذي كان أكثرَ غرابةً هو اتهام المملكة لقطر بدعم جماعة أنصار الله في اليمن أو ما يعرفون بالحوثيين، متجاهلةً مشاركة قطر الواسعة في حلف العرب ضد الانقلابيين في اليمن، وبأنها خسرت جنوداً وعتاداً هناك، فكيف تحارب قطر الحوثيين وتدعمهم في الوقت نفسه، وما الذي تريده المملكة العربية السعودية بالتحديد، خاصةً أنّ كل هذه الإجراءات جاءت عقب زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لبلاد الحرمين الشريفين ولقائه بزعماء العالم الإسلامي الذين أوشوا إليه بأنّ قطر تدعم تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى، فهل يريدون إذاً إحداث تغييرات في الأدوار العربية في المنطقة؟ خاصةً أنّ إمارة قطر في الآونة الأخيرة سطعَ نجمُها وأصبحَ يُشارُ إليها بالبنان، وتعاظمَ دورُها في المنطقة وأصبحت لاعباً أساسياً في كافة ملفّات المنطقة.

 

فإذا أرادوا مثلاً أن يبحثوا عن حلول للأزمة السورية فلابد من الرجوع إلى قطر، وإذا تطرّقوا للملف الفلسطيني، فلابدّ أن نستعين بقطر باعتبارها تؤوي القيادة الحمساوية التي لها جمهور لا بأس به في الشارع الفلسطيني، وإذا طُرِح الملف الليبي كذلك لابد من الإصغاء للإملاءات القطرية في هذا الصدد، هذا وإنّ قطر تربطها علاقات قوية مع دول إقليمية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا وإيران، الأمر الذي لم يعجب المملكة العربية السعودية التي شعرت بأنّ دورها بدأ يتقزّم بعد امتداد النفوذ القطري في المنطقة، ولذلك فهي تسعى لإعادة قطر إلى نفوذها السابق كي تبقى راية المملكة هي التي تُرفَع أولاً، من خلال وضع شروط على قطر وُصِفَت بالقاسية من أجل إزالة الخلاف وعودة الأمور إلى نصابِها الحقيقي..

قطر تربطها علاقات قوية مع دول إقليمية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا وإيران، الأمر الذي لم يعجب المملكة العربية السعودية التي شعرت بأنّ دورها بدأ يتقزّم بعد امتداد النفوذ القطري في المنطقة

ولكنّ السؤال المطروح: هل ستستجيب قطر للإملاءات السعودية، أم إنها ستمضي للبحث عن حلفاء جُدد ضاربةً بعرض الحائط تلك الإملاءات، خاصةً أنّ الجانب التركي بدأ بتوقيع اتفاقية يتمّ من خلالها نشر قوات عسكرية تركية في الأراضي القطرية، وكذلك الجانب الإيراني الذي أبدى استعداده للتعاون اقتصادياً مع قطر لتعويضها عن الخسائر وتخفيف وطأة الحصار ..

وبعيداً عن كل ما سبق، فإنّ ما جرى أصاب الوحدة العربية في صميمها، فهل سيزول الخلاف أم أنّ قارورته لن تلتئمَ بعدما بطشَتها كفّ القريب؟! وهل سيصدقُ الشاعر إذ قال :

إنّ البلادَ إذا تناحرَ أهلُها 
 
مثلُ الزّجاجةِ كَسْرُها لا يُجبَرُ



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت منظمات ماليزية رفضها للإجراءات التي اتخذتها دول عربية وإسلامية بقطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حصار جو وبري على قطر، ودعت الحكومة الماليزية لعدم الانجرار إلى ما اعتبرته مؤامرة ضد قطر.

الأكثر قراءة