قصة الشيعة (2).. صراع الأخيار

لقد كانت فترة خلافة علي -رضي الله عنه- مختلفة عما سبقها فقد عرف العالم الإسلامي فيها لأول مرة الخلافات السياسية وأحزاب المعارضة والانقسامات في المجتمع وكذلك في الجيش وكأن ذلك هو ديدن أي دولة مهما كانت قوتها. والأمر الوحيد الذي حفظ الدولة الإسلامية من الانقسام في ظل تلك الظروف الصعبة هو وحدة العقيدة، فالعقيدة الإسلامية التي تركها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدون من بعده لم تتغير ولم يكن عليها خلاف بين الأطراف المتنازعة رغم شدة الخلافات السياسية التي عصفت بالأمة حينها.

لقد بدأت خلافة علي -رضي الله عنه- بوجود معارضة سياسية له منذ الشهور الأولى لتولي الحكم، فقد كانت هناك معارضة في المدينة وأخرى في الشام. وكان على الخليفة أن يواجه تلك المعارضة بحزم حتى لا يتكرر ما حدث مع الخليفة عثمان -رضي الله عنه- لكن المهمة كانت صعبة فالموالون للخليفة علي لم يكونوا متجانسين ولم يكونوا على ذات الكلمة بل هي فرق مختلفة جمعها فقط الولاء لعلي -رضي الله عنه- ولكن لأسباب مختلفة.

أيا كانت أسباب معركة صفين سواء كان خلاف على القصاص لعثمان أو خلافا على السلطة إلا أنه في النهاية كان خلافا سياسيا في المقام الأول حاول الجميع تجنبه، لكن عدم تجانس مكونات الجيوش لم يعط تلك القدرة لعلي او لمعاوية -رضي الله عنهما- لتجنب الحرب.

فليس كل من انضم لجيش الخليفة ممن يؤمنون بأحقية آل البيت بالخلافة أو ممن يعتبرون أن فرض سيطرة الأمير جزء أساسي من استقرار الدولة الإسلامية بل كان يحوي أيضا نفر ممن شارك في مقتل عثمان والذين كان لهم تأثير كبير في إشعال القتال بين المسلمين فيما بعد وذلك حماية لأنفسهم من أن يصيبهم القصاص.

فعندما خرجت المعارضة الأولى من المدينة بقيادة طلحة والزبير -رضي الله عنهما- (وهما من المبشرين بالجنة) وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- واتجهت إلى البصرة طلبا القصاص من قتلة عثمان كان يمكن أن يعودوا دون قتال بعد أن حدث صلح بينهم والخليفة علي -رضي الله عنه-. لكن تلك الفئة من جيش علي والتي شاركت في قتل الخليفة عثمان خشيت من أن ينقلب الخليفة عليهم وينفذ فيهم القصاص، فلم يكن أمامهم إلا بدء الحرب فقاموا بالإغارة ليلا على جيش الصحابة، فحدث قتال عظيم بين الجيشين ذهب فيه الكثير من صحابة رسول الله لتكون هذه أول محنة يواجهها الخليفة علي سماها المؤرخون بموقعة الجمل نسبة للجمل الذي كانت تركبه أم المؤمنين.

إضافة إلى قتلة عثمان، حوى جيش علي -رضي الله عنه- أيضا نفرا من فرقة السبأية وهم ممن غالوا في تقديس علي -رضي الله عنه- وأدعوا صفات ألوهية له. لكن هؤلاء عرف بهم الخليفة فعلا عندما نقل مقر الخلافة إلى الكوفة بعد حادثة الجمل، فأمر بإحراق بعضهم عندما جاؤوا ساجدين له ونفى البعض الآخر منهم إلى المدائن ومن بينهم زعيمهم عبد الله بن سبأ، لكن بقي بعض منهم أو ممن يؤمن بأفكارهم كخلية نائمة في جيش علي لا يعلم بها الكثيرون.

بهذا الجيش وبتلك المكونات غير المتجانسة كان على الخليفة علي -رضي الله عنه- مواجهة أكبر معارضة يمكن أن يواجهها حاكم. معارضة تملك جيشا وأرضا ومالا. معارضة كان يمكن لها أن تقسم الدولة الإسلامية بين الكوفة والشام. إنها تلك المعارضة التي كان قد قادها معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- حاكم الشام. لقد قرر الخليقة علي -رضي الله عنه- أن ينهي تلك المعارضة السياسية بحزم لأن بقائها يعني نهاية الدولة الإسلامية، فقرر نقل مقر الخلافة إلى الكوفة وانطلق منها بجيش كبير تجاه الشام فالتقي مع جيش معاوية في موقعة صفين فكانت حرب قتل فيها الكثيرون ولولا أنها توقفت بعد اللجوء للتحكيم لكانت النتائج كارثية أكثر.

وأيا كانت أسباب معركة صفين سواء كان خلاف على القصاص لعثمان أو خلافا على السلطة إلا أنه في النهاية كان خلافا سياسيا في المقام الأول حاول الجميع تجنبه لكن عدم تجانس مكونات الجيوش لم يعط تلك القدرة لعلي او لمعاوية -رضي الله عنهما- لتجنب الحرب. ولا شك بأن أحقية آل البيت بالخلافة من عدمه كانت محركا للحرب ولو بشكل غير مباشر، ففي جيش علي هناك من يوالونه سياسيا أو دينيا أو لمصالح تتعلق بدم عثمان، وبقاءه على رأس السلطة أمر حياة أو موت بالنسبة لهم. أما في جيش معاوية فهناك بني أمية الذين يرغبون في استمرار الخلافة فيهم عبر معاوية بعد عثمان -رضي الله عنهما- حتى لو كان ذلك عكس رغبة معاوية نفسه.

لكن في النهاية انتهى ذلك الخلاف السياسي بالاتفاق في وثيقة التحكيم على أن يتم اختيار خليفة للمسلمين خلال عام من قبل أقرب الصحابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يعرقل تحقيق ذلك سوى ظهور الخوارج. يمكن اعتبار الخوارج أول فرقة عقائدية واسعة الانتشار عرفها العالم الإسلامي وما زالت ماثلة أمامنا حتى اليوم. فقد اعتمد الخوارج على التشدد في تطبيق الشرع لدرجة المغالاة وكفروا الكثير من المسلمين من بينهم كبار الصحابة معتبرين أنفسهم حماة الدين والعقيدة.

لا يمكننا أن نقول مثلا أن من كان مع الخليفة علي -رضي الله عنه- هم شيعة ومن كان مع معاوية أو طلحة هم سنة. لقد كان خلافهم سياسيا لا عقيدة فيه بل إن وجود العقيدة الواحدة هو من جمعهم رغم خلافهم.

ظهرت فرقة الخوارج بعد خروجهم على جيش علي -رضي الله عنه- عندما رفضوا التحكيم معتبرين أن عليا قد ارتد وعليه أن يدخل الإسلام من جديد. حاول الخليفة مناصحتهم ففشل فقاتلهم في معركة "النهروان" فقتل منهم الكثير تم تابعت الدولة الأموية قتالهم بعد ذلك فقضت على الكثير منهم أيضا لكنهم للأسف استمروا بعقيدتهم تلك حتى اليوم.

هم ربما نتاج تلك الفئة التي قتلت عثمان -رضي الله عنه- وهم من قتل علي -رضي الله عنه- بعد ذلك وشاركوا بشراسة في قتل الصحابة في موقعتي الجمل وصفين وهم من يشارك في قتل الأطفال والنساء اليوم. لقد كانت الخوارج فرقة عقائدية فعلا لكنها لكن لم تستطع تحويل النزاع والخلافات بين المسلمين إلى نزاع عقائدي، لأن الخوارج كانت على حرب مع الجميع، مع جيش علي وجيش معاوية والدولة الأموية فيما بعد.

وبالتالي فمن الواضح أن السياسة كانت محور خلاف المسلمين في تلك الفترة ولم تكن العقيدة محل نزاع أبدا. فلا يمكننا أن نقول مثلا أن من كان مع الخليفة علي -رضي الله عنه- هم شيعة ومن كان مع معاوية أو طلحة هم سنة. لقد كان خلافهم سياسيا لا عقيدة فيه بل إن وجود العقيدة الواحدة هو من جمعهم رغم خلافهم وهي من حمى الدولة الإسلامية من الانقسام. فالعقيدة الواحدة هي الدرع الواقي لأي دولة تريد أن تستمر لعقود مهما حدث فيها من خلافات.

لكن هذا الخلاف السياسي لم ينتهي بتولي معاوية -رضي الله عنه- الخلافة وإجماع المسلمين عليه بل استمر وكان سمة للدولة الأموية فيما بعد.
وللحدث بقية..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

موسى جار الله بكييف شيخ مسلمي روسيا أواخر حقبة القياصرة، تضلع في الشريعة والعربية، ولعب أدورا سياسية ودينية مهمة قبل أن يجبره الشيوعيون على الاغتراب، وأنكر على الشيعة مسائل عديدة.

الأكثر قراءة