تركيا والاتحاد الأوروبي

منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923 والنخبة التركية تسعى للتقارب مع الغرب في جميع المجالات وهو ما اصطلح على تسميته بالتغريب أو الأوربة الذي حمل الكماليون لواءه ولم ينفك الساسة الأتراك يسيرون على هذا الطريق لتكتمل هذه العملية بدخول تركيا إلى النادي الأوربي بعضوية كاملة.

وقد مرت العلاقات التركية الأوروبية بمحطات هامة على هذا الطريق ومن أبرزها توقيع اتفاق أنقرة والذي يطلق عليه اتفاق الشراكة عام 1963 والذي وضع قيد التنفيذ اعتبارًا من العام 1964 بعد مفاوضات طويلة وشاقة، وتضمن هذا الاتفاق ثلاث مسائل: هي الوحدة الجمركية وحرية انتقال العمالة والمساعدات المالية.

وتم تقسيم هذا الاتفاق إلى ثلاث مراحل، الأولى تمهيدية تمتد من العام 1963 إلى العام 1968 ثم مرحلة انتقالية بدأت بعد توقيع بروتوكول إضافي تكميلي عام 1973 وامتدت المرحلة الانتقالية من العام 1973 وحتى عام 1995. وفي عام 1996 أصبحت تركيا عضوًا كامل العضوية في الاتحاد الجمركي الأوروبي وتبع ذلك قمة هلسنكي في 12 كانون الأول 1999 والتي منحت تركيا فيها صفة العضو المرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد استيفاء شروط ومطالب من قبل الحكومة التركية، وقد تم تشكيل لجنة خاصة لمتابعة تنفيذ تركيا لهذه المطالب ومن أبرزها القيام بإصلاحات تشريعية توسع نطاق الحريات العامة خاصة حرية التعبير وحرية تأسيس الأحزاب السياسية منع التعذيب في السجون، وإلغاء عقوبة الإعدام، والسماح باستخدام لغات أخرى غير اللغة التركية في وسائل الإعلام إلى جانب وقف انتهاكات حقوق الإنسان خاصة من الأقليات العرقية والدينية.

من أبرز معايير كوبنهاغن التي وضعت في القمة الأوروبية المنعقدة في كوبنهاغن عام 1993: امتلاك مؤسسات ديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بمتطلبات اقتصاد السوق والقدرة على المنافسة ضمن ظروف السوق الأوروبية المتقلبة.

وبعد ذلك جاءت قمة نيس أنون الأول 2000 حيث أشارت معظم تقارير المفوضية الأوروبية منذ كانون الأول 1989 حتى الإعلان الذي صدر عن قمة نيس إلى دوافع ثقافية وسياسية تحول دون انضمام تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، وفي قمة نيس ونظراً إلى تحسن الأجواء بين الجانبين صادق المجلس الأوروبي على "وثيقة الانضمام " التي مثلت الحد الأدنى من الشروط الأولية وحددت القمة الأهداف متوسطة المدى التي يجب على تركيا أن تنجزها لنيل العضوية، وقبلت تركيا هذه الشروط مما دفع الاتحاد في منتصف كانون الأول 2001 إلى منح تركيا وضع الدولة المؤهلة للترشيح.

وفي أعقاب ذلك صدر تقرير بروكسل الذي أصدرته اللجنة الأوروبية في 6 تشرين الأول 2004 في بروكسل وأشادت فيه بالتقدم التركي الهائل في عملية الإصلاح السياسي والتزامها بمعايير كوبنهاغن وقد أبدت اللجنة بعض التحفظات فقد رأى التقرير أن "عدم التراجع عن عملية الإصلاح وتنفيذها يجب التأكد منه على مدى أطول وركز التقرير على ضرورة أن تواصل السلطات التركية الحوار مع المجتمع المدني، وهذه التحفظات جعلت اللجنة تترك لتقدير القمة الأوروبية المنعقدة يومي 16 و 17 كانون الأول 2004 تحديد موعد بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الذي حددته القمة في الثالث من شهر تشرين الأول 2005.

كما تضمن البيان الختامي لهذه القمة جملة مبادئ أهمها أن الهدف الأساسي من المفاوضات سيكون هو عضوية تركيا في الاتحاد في نهاية مرحلة التفاوض، ولكن على تركيا أن تكون قد التزمت بمعايير كوبنهاغن جميعها وأن مفاوضات دخول تركيا ستكون مبرمجة وفقاً لمؤتمر حكومي يضم أعضاء الاتحاد وتركيا وفق ما أكده خوسيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية في ذلك الحين عقب قرار القمة بقوله "إن الاتحاد الأوروبي قد فتح أبوابه أمام تركيا لبدء المفاوضات معها بشأن انضمامها إلى الاتحاد لكن ذلك لا يعني دخول تركيا إلى عضوية الاتحاد فقد تستمر المفاوضات حتى عام 2015 إلى حين استيفاء تركيا شروط الانضمام".

ثم جاء اجتماع لوكسمبورغ في 3 تشرين الأول 2005 الذي وضع "وثيقة إطار" للمفاوضات تتضمن 35 فصلًا تعالج الجوانب الحياتية المختلفة بصورة تفصيلية اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا، ولا يتم التفاوض على هذه الفصول مجتمعة بل يجب التفاوض على كل منها منفردًا، وهذا يعني استمرار المفاوضات مدة طويلة غير محددة بسقف زمني ومنذ العام 2005 وحتى عام 2010 لم تحرز المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي أي تقدم ملحوظ وذلك نتيجة العراقيل التي تثيرها بعض الدول الأوروبية وخاصة فرنسا. ووجود ملفات معقدة تثير حساسية كبيرة لدى الجانب التركي منها المطالب الأوربية له بالاعتراف بقبرص اليونانية قبل إيجاد حل لمشكلة الجزيرة، وكذلك الاعتراف بحصول إبادة جماعية ضد الأرمن عام 1915 والاعتراف بالبطريركية الأرثوذكسية في إسطنبول على إنهاء مسكونية عالمية وليست خاصة بأرثوذكس تركيا فقط على غرار حاضرة الفاتيكان.

وفي شهر أيار من عام 2012 أعلنت تركيا والمفوضية الأوروبية عن انطلاق آلية جديدة للحوار بينهما تهدف إلى تجاوز القضايا العالقة بين الجانبين، وتتضمن هذه الآلية تشكيل لجان عمل من الجانبين حول فصول المفاوضات العالقة بغرض إحراز تقدم بالإصلاحات المطلوبة من طرف الحكومة التركية وكذلك تقريب تركيا إلى المعايير الأوروبية بدرجة متقدمة، الأمر الذي يترتب عليه فتح فصل جديد من المفاوضات دون تحديد سقف زمني للانتهاء منها.

وباستعراض مجمل مراحل ومحطات السعي التركي للانضمام للاتحاد الأوروبي نرى أن وضع العراقيل من قبل الأوروبيين ظاهرة للعيان إلى جانب المطالب التعجيزية التي يتعارض بعضها مع مبدأ سيادة الدول، ولا يمكن للجانب التركي القبول بها بأي حال.

يرجع الاهتمام الملفت لحزب العدالة والتنمية بتركيا بإحداث الإصلاح لرغبته في تعزيز الديمقراطية في البلاد إلى جانب سعيه لتمكين تركيا من القيام بدور مؤثر إقليميًا ودوليًا، وتوظيف النتائج الإيجابية المترتبة على عضوية الاتحاد الأوربي في تعزيز مكانة الحزب في الداخل.

مسارات التفاوض ومتطلبات العضوية
ينبغي أن تتم المفاوضات بين المفوضية الأوروبية والدولة المرشحة للعضوية حسب مقتضيات المادة التاسعة والأربعين من معاهدة ماسترخت، والتي تتطلب انطلاق المفاوضات التمهيدية بعد تقديم المفوضية الأوروبية تقريرًا تبين فيه مدى استجابة تلك الدولة لتطبيق معايير كوبنهاغن في المجالات السياسية والاقتصادية، فإذا أفاد تقرير المفوضية بأن هذه الدولة المرشحة تحقق المعايير يحال الأمر إلى مجلس أوروبا الذي يضم حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والذي يتخذ قراراته بالإجماع، أي أن عدم موافقة أي دولة على عضوية الدولة المرشحة فإن القرار يعطل ويحال إلى البرلمان الأوروبي الذي يتخذ قراراته بأغلبية عدد نوابه لا بأغلبية الحضور، ثم يعاد القرار من البرلمان الأوروبي إلى كل الدول الأعضاء لتقره كل دوله وفق القوانين المعمول بها لديها.

ومن أبرز معايير كوبنهاغن التي وضعت في القمة الأوروبية المنعقدة في كوبنهاغن عام 1993: امتلاك مؤسسات ديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بمتطلبات اقتصاد السوق والقدرة على المنافسة ضمن ظروف السوق الأوروبية المتقلبة، وامتلاك الدولة جهازًا للإدارة العامة يستطيع تنفيذ قوانين الاتحاد، وأن تكون الدولة قادرة على الالتزام بمقتضيات العضوية بما في ذلك العمل على تحقيق أهداف الاتحاد.

وقد انطلقت الإصلاحات في تركيا بصورة متسارعة وقوية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة أواخر العام 2002، ويرجع الاهتمام الملفت للحزب بإحداث الإصلاح لرغبته في تعزيز الديمقراطية في البلاد إلى جانب سعيه لتمكين تركيا من القيام بدور مؤثر إقليميًا ودوليًا، وتوظيف النتائج الإيجابية المترتبة على عضوية الاتحاد الأوربي في تعزيز مكانة الحزب في الداخل، وتحسين صورة تركيا لدى المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

كان الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب رئيسا لأميركا الرمزين التوأم للثورة الشعبوية ضد النُّخَب العالمية. وبالعكس انتخبت فرنسا -في شخص إيمانويل ماكرون- "رجل دافوس" الأصيل.

الأكثر قراءة