بانجاسو.. نزيف جديد لمسلمي أفريقيا الوسطى

منذ نهاية ديسمبر عام 2013 لم تهنأ جمهورية أفريقيا الوسطى باستقرار في جميع أراضيها، إلا اللهم ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة غالبا، كلما حط رحاله في مدينة ما، برهة من الزمن إلا وضربت العاصفة مدينة أخرى أو منطقة برمتها لتشكل سلسلة دامية في تاريخ البلاد، فبشكل أو آخر المسلمون هم المستهدفون وهم أكثر الناس تعرضا لأعمال العنف بما تحمله الكلمة من معنى.

يوم أسود من أيام مايو
في يوم الجمعة الثاني عشر من شهر مايو المنصرم، كالعادة كان الجميع منشغل بشأنه الخاص، المسلم والنصراني والوثني، وودعوا هذا اليوم بكل ما فيه من روح التسامح والعطاء، ومن ثم هجع جميع سكان مدينة "بنجاسو" وخلدوا للنوم ليستعيدوا نشاطهم الحيوي كي يستقبلوا يوما جديدا، ولكنهم لم يعلموا ماذا ينتظرهم قبيل شروق الشمس، خاصة المسلمون الأبرياء العزل.

ففي تمام الساعة الواحدة فجرا، في يوم السبت الثالث عشر من شهر مايو من هذا العام الجاري، استيقظ الجميع على دوي رصاص يعج بالمدينة من كل جانب، فحسب وكالات الأنباء المختلفة، دخل المدينة حوالي 700 مقاتل من الميليشيا المسلحة للأنتي البالاكا، مدججين بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، واستهدفوا معسكر قوات الأمم المتحدة المتواجد في المدينة أولا، ودار حوله قتال استمر ساعة من الزمن تقريبا، وقتل إثر ذلك جندي تابع للكتيبة المغربية وجرح آخر، وفي الوقت ذاته، استهدف مباشرة حي" توكويو" Tokoyo ذات الأغلبية المسلمة، فقتل من قتل فيه، ولاذ بالفرار من كان في بقية عمره أيام، ونهبت كل الممتلكات ودمرت البقية. ولجأ من تبقى من المسلمين إلى المسجد والمستشفى، وحوصروا لعدت أيام في هذا المكان، ومن ثم جاء الكاردينال "نزابا لاينجا" – حسب ماذكرته صفحة CMC- خدعهم بأن هذا المكان ليس آمنا ونقلهم إلى الكنيسة ومن ثم دمر المسجد وسوي بالأرض، وأردي أكثر من مئة قتيل من المسلمين وعشرات الجرحى والمصابين.

الكاردينال "زانبالايجا" سجل زيارة لمدينة بنجاسو مسقط رأسه، قبيل عملية العنف ضد المسلمين الدامية، والتقى بزعماء بعض الميليشيا المسلحة ووغيرهم بحجة تفقد أحوال المنطقة والسعي لتفعيل دور الحوار الوطني، وبعد عودته إلى العاصمة بانجي بأيام نفذ الهجوم.

وما يندى له الجبين وينفطر له القلب، أنهم لم يزالوا في هذه الحالة حتى دخل عليهم شهر رمضان المبارك وهم لا مأوى لهم ولا ملبس ولا مأكل، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ومع ذلك كانوا يستفتون العاصمة بانجي عن أحكام الصيام، هل في مثل هذه الظروف القاسية، يصومون أم يفطرون؟!

من هو الكاردينال نزابا لاينجا؟
جيودوني نزابالاينجا (Dieudonné Nzapalainga) من مواليد 14 مارس 1967 في مدينة بانجاسوو (جمهورية أفريقيا الوسطى)،هو أسقف الكاثوليك المركزي، ورئيس أساقفة بانغي تم تعيينه من قبل البابا بينوا السادس عشر، إذ كان مديرا رسوليا منذ 26 مايو 2009.

ينحدر نزابالاينجا من عائلة فقيرة، وهو الخامس في عائلة مكونة من 14 طفلا. التحق بالكنيسة الكاثوليكية عام 1997. وفي يناير كانون الثاني عام 2015، قاد محادثات للإفراج عن الفرنسي "كلوديا بريست" الذي اختطفته الميليشيات المسيحية المسلحة " أنتي بالاكا"، وأفرج عنه أخيرا في 23 يناير من نفس العام. وفي 19 أغسطس 2015، أنشأ منصة السلام للحوار بين الأديان في جمهورية أفريقيا الوسطى، والتي تعتبر برنامجا مطاطا لانتهاك حقوق المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى وتمويه قضيتهم حتى تتلاشى، وما يؤكد ذلك الموقف الواضح من جمعية الكوادر المسلمين وأئمة بانجي ووجهائها المسلمين ومقاطعتهم إياها.

استضاف نزابالاينجا في بانغي البابا فرانسيس خلال جولته الإفريقية في نوفمبر 2015. وفي خلال هذه الزيارة تم الافتتاح الرسمي "ليوبيل الرحمة" Jubilé de la Miséricorde، وجعلت عاصمة أفريقيا الوسطى "العاصمة الروحية للعالم." وفي 19 نوفمبر 2016 رقي إلى منصب الكاردينال ضمن ستة عشر أسقفا آخرين في الكنيسة الكاثوليكية من قبل البابا فرنسيس، ومن خلاله لقب بسانت أندريا ديلا فال (Sant Andrea della Valle). وبهذا أصبح أصغر من انتمى لمعهد القديس أو القداسة وأول كاردينال لجمهورية أفريقيا الوسطى. ومن ثم تم تثبيته في دير الكرادلة في تاريخ 18 ديسمبر 2016. (ويكيبيديا- الموسوعة الحرة). أكد البابا فرانسيس عضويته في مجمع تبشير الشعوب في 28 يناير 2017، في أعقاب إنشاء ديره الخاص. هذه نبذة موجزة عن كاردينال بانجي.

لماذا مدينة بانجاسو؟
تقع مدينة بانجاسو "Bangassou" في وسط البلاد، وتبعد عن العاصمة بانجي بـ 734 كم شرقا، وتبعد بكيلو متر واحد فقط عن حدود كونجو الديموقراطية (زائيير سابقا)، يبلغ عدد سكانها حوالي 35305 (2012)، وتضم 49 حيا سكنيا حسب تعداد 2003م. كما تقع المدينة في مناطق الغابات ويمارس فيها زراعة الكاكاو والقهوة وتصدّر زيت النخيل للعاصمة وبعض المدن الأخرى، إضافة لنبيذ النخيل بدرجاته المتعددة كنبيذ بيكي (Peke)، كانجويا (kangoya) وغيره. تتميز مدينة "بانجاسو" بالهدوء والتعايش السلمي منذ نشأتها، كما أنها اشتهرت بازدهار التجارة المتنوعة. والجدير بالذكر أنها مسقط رأس الكاردينال جيودوني نزابا لاينجا.

حسب منصة CMC على الفيس بوك، أن الكاردينال "نزابا لاينجا" سجل زيارة لمدينة بنجاسو مسقط رأسه، قبيل عملية العنف ضد المسلمين الدامية، والتقى بزعماء بعض الميليشيا المسلحة ووغيرهم بحجة تفقد أحوال المنطقة والسعي لتفعيل دور الحوار الوطني، وبعد عودته إلى العاصمة بانجي بأيام نفذ الهجوم، وهو نفسه أصر على أن الميليشيا هذه تقوم بعملية الدفاع الذاتي في الوقت الذي شهدت عليها القوات الدولية والإعلام الغربي بأنها هي التي هاجمت معسكر القوات الدولية ومن ثم حي المسلمين الأبرياء.

ما هو دور القادة المسلمين (عسكريين ومدنيين) في كل ما يحاك هنا وهناك ضد مجتمعهم، هل يكتفون بالتصريحات الجوفاء والعويل، أو سيحركون ساكنا نحو إنقاذ أرواح الآلاف من الأبرياء والعزل في ربوع جمهورية أفريقيا الوسطى؟!

خلاصة واستنتاج:
فمن خلال ما سبق نستنتج أن ما شهدته مدينة بانجاسو هو حلقة ضمن سلسلة العمليات الاستئصالية لمسلمي جمهورية أفريقيا الوسطى خاصة جنوب البلاد، والتي تقودها الكنيسة الكاثوليكية منذ بداية الأزمة الخلاقة. فإما الاستئصال الجذري أو الانحسار التام في بقاع ضيقة وشل حركة النمو والتقدم للمسلمين. وكل ذلك يتم تحت سكوت عالمي مطبق، وغياب إعلامي مقصود، والعالم العربي الإسلامي يتفرج ويتغاضى تارة، وفي حين العدو ينشط ويسخر كل ما أوتي من قوة لتحقيق أهدافه، ولكن الله غالب على أمره، وناصر عباده عاجلا أم آجلا.

وقد لا يستبعد أن هذه العمليات تستهدف بالأساس إجلاء المنطقة من المسلمين، ومن ثم فتح الحدودد الأفرو-وسطية-الكونجولية لتكون منفذا جديدا لتجارة الأسلحة والمخدرات ونهب خيرات البلاد عبرها، وكذلك تسهيلا لاستقطاب مرتزقة من بعض دول الجوار كالكونجو وأوغندا (جيش الرب) وغيرهما تحت مظلة الكنيسة الكاثوليكية لتعزيز الميليشيات المسلحة، ولربما لتنفيذ انقلاب على حكومة بانجي الحالية. فكل السيناريوهات واردة.

ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة، ما هو دور القادة المسلمين (عسكريين ومدنيين) في كل ما يحاك هنا وهناك ضد مجتمعهم، هل يكتفون بالتصريحات الجوفاء والعويل، أو سيحركون ساكنا نحو إنقاذ أرواح الآلاف من الأبرياء والعزل في ربوع جمهورية أفريقيا الوسطى؟!

________________________________________________
المصادر:
– http://www.rfi.fr/afrique/20170513-rca-attaque-bangassou-casque-bleu-marocain-tue-minusca
– https://www.facebook.com/Collectif-des-Musulmans-Centrafricains-CMC-788167961250259/
– ويكيبيديا- الموسوعة الحرة


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بشدة الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة مسيحية بأفريقيا الوسطى على مدنيين مسلمين، وقال الاتحاد الأوروبي إن تلك الجرائم يمكن أن ترقي إلى مستوى "جرائم حرب".

الأكثر قراءة