الشخصيات الهلاميَّة والثورات

هذا الموضوع يدور في خَلدي منذ زمن ولقد خفتُ أن أكتب فيه خشية أن يُفهم على غير مقصدِه الحقيقي، ولكن.. ومع مرور الأيام وبعد أن أصبح الأمر ظاهرةً.. بدأت أراجع نفسي لأتجرَّأ اليوم على الكتابة فيه. وأزعم أنَّني من أوائل من كتب منشوراً في الفيس بهذا الخصوص، قلت فيه نتيجة لهذه الظاهرة: (خياركم قبل الثورة.. خياركم في الثورة.. إذا فقُهوا).

وذلك – أيَّها السادة – بعد أن رأينا كمَّاً هائلاً من الشخصيات الهلاميَّة والكرتونية – إذا صحَّ التعبير – خلال ثورات الربيع العربيِّ برزتْ في السَّاحة وطفتْ على السطح، وتصدّرت المشهد، بل ووصلت إلى مراكز القيادة، حتى ذهُل النّاس من ذلك، وحتى أصبحَ يقول قائلُهم (هربنا من تحت الدلف فوقعنا تحت المزراب). وكما هو معلوم فإنَّ الثورات: هي تغييرٌ شاملٌ، وخروجٌ عن أوضاعَ لم تكن مُرضيةً؛ يكون الظلم والقمع والتسلط سائداً فيها، فحينها تسعى الشعوب إلى تغيير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، بما يتيح للفرد أن يمارس حقوقه ويؤدي واجباته دون خوف من رقيب، ودون أن يُذهب به إلى غياهب المجهول.

هذا التغيير الكامل والشامل للثورات يشمل كما أسلفنا الحالة الاجتماعية ويُحدث فيها تغيُّراتٍ هائلة وجذريةً تؤثر في بنية المجتمع ككل، فكم من فقير يغتني، وكم من غني يفتقر، وكم من مغمور يشتهر؛ وكم من جبان يصبح بطلاَ؛ وكم من نَكِرة يصبح عَلَماً؛ وهكذا… والسؤال الذي يفرض نفسَه هنا: هل كلُّ ما يطفو على السطح هو حقيقة؟ وهل كلُّ مَن أصبحوا في الواجهة هم يستحقون تلك المكانة؟ أم أنَّ الأحداث هي التي خدمتهم وأنَّ الثورات هي التي صنعتهم وأن المصادفة أحيانا هي التي لمّعتهم وصدّرتهم؟

إن الذي جنى على هؤلاء هو ما غرّهم من كثرة المتابعين، وإعجاب المعجبين، وريتويتات المغردين، وقد يكون نسي هؤلاء أو تناسوا أنَّ هذه الشهرة في العالم الافتراضي هي شهرة وهمية مزيفة.

وإذا أردنا الجواب على هذا السؤال والإنصاف فيه – والإنصاف عزيز كما هو معلوم – فنقول: إنِّ من شبابنا من كان يملك من الإمكانات والقدرات ما يؤهلُه ليكون رأساً في النَّاس، وسيِّداً في المجتمع، ولكن لم تُتح لهم الفرصة فيما مضى ليعبِّروا عن ذواتهم ويكشفوا عن كُنههم، ويثبتوا جدارتهم …حتَّى جاء الوقت المناسب في هذه الثورات، فتفجَّرت طاقاتهم المبدعة وظهرتْ قدراتهم الكامنة، فوضعوا بصمتهم في جبين التَّاريخ وأثبتوا للقاصي والداني أهليتهم ورشدهم وتفوقهم.

ولاشكَّ أنَّ مجتمعاتنا العربية والإسلامية كانت ولا زالت ذاخرة بمثل هؤلاء الناس، وما برز عندنا خلال هذه الثورات من كُتَّاب وإعلامين ومفكِّرين وفنانين ومبدعين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس لأكبرُ دليل على ذلك ؛ والحق أن أغلب هؤلاء هم من جيل الشباب الذين ما كنَّا نتوقَّع يوماً أنَّهم في مجتمعاتنا موجودون، وأنهم بيننا يعيشون .

مثل هذه القامات، ومثل هذه الخامات، كانت مُغيَّبة في ظلِّ أنظمة شموليَّة قمعيَّة استبداديَّة، كانت تحكمنا بالحديد والنار، والتي إن لم تقتل الإبداع حينها فإنَّها تَحْجرُ عليه، وتمنع أهلَه من أن يأخذوا دورهم في المجتمع بل وتخاف منهم وتحذر منهم أكثرَ من خوفها وحذَرها من أعداء الخارج… ومع ذلك ومع كل ما ذكرناه، وفي الوقت نفسِه طفا على السطح، وظهر في الميدان أُناس قد تشبَّعوا بما لم يُعطَوا، وتزبَّبوا قبل أن يتحصرموا، حتى إنه يصدق فيهم ما جاء في الحديث الشريف (المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ). أخرجَه البخاريُّ.

وقد رأينا ويا للأسف من هؤلاء نماذجَ كثيرةً، وكثيرةً جدَّا.. حتَّى وصل الحال بهم أن أصبحوا ظاهرةً تلفتت الأنظار وحديثاً يشغل الأفكار، وقد بلغ من آذاهم وسوئهم، وسوء آثارهم ما شوَّه وجه الثورات، وما جعل البعض يحتجُّ على ربيعنا العربي وثوراتنا المحقَّة، ويقول: إذا كانت الثورات كذلك فبئستِ الثورات.
أقول: ومن هؤلاء من تصدَّر حقيقةً، وأصبح رأساً.، وهو في الواقع ممَّن ينطبق عليه ما رُوي عن دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِدْخَالُكَ يَدَكَ فِيي فَمِ التَّنِّينِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ الْمِرْفَقَ فَيَقْضِمُهَا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَسْأَلَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ثُمَّ كَانَ).

إنِّ من شبابنا من كان يملك من الإمكانات والقدرات ما يؤهلُه ليكون رأساً في النَّاس، وسيِّداً في المجتمع، ولكن لم تُتح لهم الفرصة فيما مضى ليعبِّروا عن ذواتهم ويكشفوا عن كُنههم.

ومن النَماذج التي أعرفها من هؤلاء ويعرفها معي الكثيرون، أنَّ شخصاً ممن ظنَّ نفسَه إعلاميَّاً كبيراً هو في الحقيقة لا يحمل أكثر من شهادة ابتدائية، وليس العيب أن يكون الإنسان قد نشط في مكان لم يوجد فيه أحد ونقل ما حدث، أوقد يكون تجرَّأ على شيءٍ قد جَبُنَ فيه آخرون كان ينبغي لهم أن يكونوا في ذلك المكان ولكنهم لم يفعلوا، ولكنَّ العيب أن تحسِب الشحم فيمن شحمُه ورمُ.. العيب في أن يعتقد هذا الشخص نفسَه أنَّه وصل إلى درجة الإعلاميين الكبار والصحفيين المحترفين والمحلِّلين الاستراتيجيين..

العيب أنَّ من هؤلاء ممَّن سُمُّوا بـ«ناشطين ثوريين» قد أصبح يُفتي في كلِّ شيء، ويدّعي علم كلَّ شيء، ويشارك ويعلَّق على كلِّ شيءٍ، بل وينتقد كلَّ شيءٍ.. تصدقون! حتى الفتاوى الشرعية والدينيَّة ما سلمتْ من تعليقات وآراء هؤلاء، وفي أي شيء في قضايا وأحداث لو عُرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدرٍ؛ ولو سُئل عنها أبو حنيفة لتوقَّف فيها وحار في الإجابة عليها، أما هم فلا يحتارون ولا يترددون، ولله في خلقه شؤون.

وأظنَّ أن الذي جنى على هؤلاء هو ما غرّهم من كثرة المتابعين، وإعجاب المعجبين، وريتويتات المغردين، وقد يكون نسي هؤلاء أو تناسوا أنَّ هذه الشهرة في العالم الافتراضي هي شهرة وهمية مزيفة. وأنَّ هذا الإعجاب خُلبياً ليس له قيمةٍ في الحقيقة والواقع، وعندما ينجلي الغبار نعلم تحت رجلك فرسٌ أم حمار! وأيضاً قد لا يعلم هؤلاء أنه في تقييمٍ علمي للخطاب المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أنَّ أكثره أوو كثير منه يعد خطاباً (شعبوياً) وكذلك التفاعل معه. و ختاماً أقول، الجاهل من جهل قدرَه، ورحم الله عبداً عرف حدَّه فوقف عندَه. عافاني الله وإياكم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة