حراك الريف.. الشعب مقابل الدولة

blogs - احتجاج ريف المغرب ومواجهات مع الامن
إذا ما وجهنا أنظارنا صوب المغرب فإننا لا محال سنجده على الدوام أرضا لبروز حركات اجتماعية سياسية متعددة، إلا أن الفارق اليوم الذي لا يمكن التغاضي عنه، أنها، وإن كانت حركات اجتماعية أو فئوية أم عابرة فهي في كل الأحوال لم تعد بذلك الضعف والارتهان والوهن.
إن هذه الحركات تنهل من منهج وفكر جماعي متعالي عن كل التجريديات النظرية والأيدولوجيا في ظل عصر موت النظم الفكرانية، التي لم تقدم للشعب سوى الكثير من الكلام دون أن يفهم القصد أو يستفيد الشعب من إطناب الحديث، ليحتكم مرتقيا إلى سؤال الحاجة وسؤال المعيش بعد خيانة الأيديولوجيا، إنه الارتقاء المشترك بين جل أطياف الشعب حول حاجياته السوسيو-اجتماعية للمجال والحقوق دون الاحتكام والحاجة إلى مرجعية فكرانية ما.

فإن كانت الحركات الاجتماعية في السابق تتزعمها تيارات يسارية أو دينية تسند لقيمة نظرية دافعة صوب الإنجاز، بأهداف مسطرة سلفا، فإننا اليوم أمام حركات اجتماعية مطلبية، آنية، وليدة جهد ذاتي متكامل وخالص للشعب ومعبرة عن حاجات وأهداف اجتماعية مشتركة من حيث الدفاع أولا، الإنجاز ثانيا، والتجاوز ثالثا.

موت الأيديولوجيا، هو موت الدولة من حيث حاجاتها إليها كآلية للاحتواء ولو على مضض، إن هذا العطل الذي نتج عنه إصابة الدولة من حيث توزيع منسوب الثقة بين أفراد شعبها أدى بطريقة ما إلى تراكم الأخطاء التصويبية، بدل التصويب بالصواب، ولعل بعض التصريحات التي قابلت -حراك الريف- المغربي، بالتخوين والانفصال، إضافة إلى إنزال وزاري في الريف، لا هو تعبير عن عقل يحكم الدولة بالكثير من التبسيط والاستخفاف، أليس هذا كافيا ودليلا على عدم معرفة مسبقة لهؤلاء الوزراء بحاجات الشعب.

الدولة لا تحتاج في غالب الأحيان أن تبرر وجودها، لكنها مطالبة بتحديد شكل وجودها وطبيعته، إن تحقيق الأمن الاجتماعي قد يكون من مهامها حتى إن تطلب الأمر العنف، لكن ليس هذا هو جوهر المشكل، المشكل الذي يستدعي التوضيح.

ما دور إذن الهيئات الحكومية ومراكز الدراسات والاستطلاعات والانتخابات ومجالس البلديات والجهات والمجتمع المدني؟ أليس هذا تعبير عن فشل ورغبة في تصويب الخطأ بالخطيئة، أليس هذا ما يولد ثقافة الإعطاب والفشل السياسي القائم من حيث المبدأ على غياب منسوب الثقة والثقة المتبادلة؟ أم هي استراتيجية نابعة من العقل الأعلى غايته إضعاف كل الجهات الموكلة لها إخماد النار، حتى يتسنى له الخروج لتمكين الخلاص؟

لعل "بول باسكون" لا يزال بيننا، كتب سنة 1979، أي بعد عشرين عام من الاستقلال حينها و50 سنة اليوم أن مجتمعنا تسيطر عليه القوى الصناعية الكبرى، هذا المجتمع لا يمر بمرحلة انتقالية، أي أنه لم يكون لنفسه مشروع مجتمعي متماسك، له ما يكفي من المصداقية للحصول على تراض كاف في مجموع الوطن. وهو لا يسعى إلى القضاء على نظام قديم للأشياء ليبني نظاما جديدا. المجتمع المغربي يعيش على عطالته كما يريد بعمق.

هذه النسبة العالية من الإخفاق السياسي دليل على اختلال التوازن وضبابيته في بناء دعائم التنمية الشاملة، ذلك كنتيجة لممارسة الدولة لنوع من التجويف والصلابة في إصلاح ذات البين، بسياسة ترقيعية لا ترقى إلى مستوى تطلعات الشعب. مع الإشارة إلى الأشواط التي قطعها المغرب في هذا الميدان -التنمية لكن دون تحقيق نماء اجتماعي وبينهما بون-.

فإذا كان الشعب يجد صعوبة في تحديد المسؤولية السياسية فمن الصعب جدا أن نتحدث عن فعالية سياسية قائمة على الإنجاز، أما ما نعنيه بالفشل؛ هو أن الدولة عاطلة على بناء معرفة كاملة وصحيحة عن شعبها من حيث حاجياته وبحثه عن السعادة، في حين نجدها هي الأخرى تبحث بل تنقب عن السعادة في الشعب بالنظر إلى ـ أنناـ أمام وضعية دولة الرفاه أي الدولة التي تسهر على تحقيق الرفاه لشعبها، عبر توجيهه صوب مسارات صحيحة غايتها تكثيف الجهود والعمل بغية تطوير ملكة التحدي المشترك بين الدولة والشعب لإحراز التنمية الشاملة القائمة على مبدأ الثقة المتبادلة كنتيجة وسبب في ألان ذاته.

إن جوهر أزمتنا تكمن في اختلال موازين الثقة، أو ما يمكن تسميته بالتراضي المستعصي، الذي ورثناه من سياسات ماضوية تلاحق كل صوت نشاز، حيث صور لنا العالم أنه ثابت لا يرتد له طرف إلا بوجودهم، بمعنى أن ملاحقة ركب الحضارة والنماء رهين بوجودهم لا غير.

إن مشكلة الدولة اليوم في الريف وغيرها من المناطق، لن تكون منذ اليوم مسألة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فقط، فمشكلتها ستكون بالأساس نفسية شعورية مرتبطة بسؤال الثقة والخيانة، فقبل أن تفرض الدولة نفسها على الشعب عبر سياسات مباشرة يجب كذلك أن تنتبه إلى القلوب والعقول، قبل أي شيء آخر، كنتيجة مباشرة لتوالي الأحداث غير الواضحة في مسار التدبير.

إن الدولة لا تحتاج في غالب الأحيان أن تبرر وجودها، لكنها مطالبة بتحديد شكل وجودها وطبيعته، إن تحقيق الأمن الاجتماعي قد يكون من مهامها حتى إن تطلب الأمر العنف، لكن ليس هذا هو جوهر المشكل، المشكل الذي يستدعي التوضيح؛ أن تأخذ هذه الوسائل مكان وسيلة الحوار، بمعنى أن يكون العنف الوسيلة الأنجع لتحقيق غاية السيطرة وتزكية الذات على حساب الشعب.

هل يمكن ويعقل محاورة رجال السياسة والأعمال وهم أصل الداء، أم نحاور هيئات أكلت السحت، أم مثقفين قد أقول وأنا على خجل أن التجربة أثبت أنكم لم تنتجوا فكرا اجتماعيا لكنكم أنتجتم خطابا يسمن لكن لا يغني عند الحاجة.

إن غاية الدولة الحديثة في مجملها قائمة على مشروع تواصلي مشترك مبني على التذاوت بين المؤسسة والشعب أو بتعبير آخر لا وجود لشخصيتين متباينتين أي الدولة والشعب بل شخصية واحدة غايتها النماء الشامل، فالدولة التي يوجد شعبها خارجها مشكوك في أمر سيادتها.

ويبقى الحوار الجاد والرزين والمسؤول، أملنا الوحيد في استعادة منسوب الثقة الذي ضاع منا على حين أمد، لكن يبقى سؤال مع من سنتحاور يا ترى، مع السياسيين، مع الهيئات، أو مع المثقفين، مع من يجدر بنا الحوار يا ترى؟ ومن سيتحاور أصلا؟ فهل يمكن ويعقل محاورة رجال السياسة والأعمال وهم أصل الداء، أم نحاور هيئات أكلت السحت، أم مثقفين قد أقول وأنا على خجل أن التجربة أثبت أنكم لم تنتجوا فكرا اجتماعيا لكنكم أنتجتم خطابا يسمن لكن لا يغني عند الحاجة.

وختاما، تبقى غاية الدولة في تمكين السيادة، حيث الشعب يحكم نفسه بنفسه، فهي ليست في النهاية مجرد تجمع بشري منظم بطريقة ما تترجم فكرة وغاية بديهية عن طريق حكم الشعب، فهذا الاكتفاء الكلاسيكي ليس إلا نتيجة مباشرة لضرورة وجود الدولة، لكن استمرارها ودوام مشروعيتها رهين بمنسوب الثقة لا بشيء آخر، فالثقة أصل الداء والدواء… والكلمة الأخيرة للحوار حوار الشعب مع، والأمير.