القرامطة الجُدد

Russian President Vladimir Putin (L) shakes hands with Crown Prince of Abu Dhabi Sheikh Mohammed bin Zayed al-Nahyan during their meeting at the Kremlin in Moscow on April 20, 2017. REUTERS/Alexander Nemenov/Pool
ما يزيد عن الألف عام، هو الفارق الزمني بين العام 899 م والعام 2017م، يختلفُ الأشخاص وربما المُسميات، ولكن يأبى التاريخ إلا أن يُعيد نفسه مع فارق الزمان والمكان. قيل أن، كما لكل زمان رجاله الذين صنعوه وحفظوه، فإنه لكل زمان أيضاً عاهاته الذين نالوا منه وهدموا أمجاده، وفرقوا شمل أهله.

لم يذهب بنا التاريخ في هذه المرة بعيدا، لطالما ظل يمشي بجوارنا نتكئ عليه كلما تعثرنا، نستدلُ به كل ما تاهت بنا الدروب، فلم تُصبنا قارعة من قوارعُ الدهر، إلا وقد قرأنا مثلها بين يديه، وفي صحائفه. بدأت الحكاية في العام 873م حين بدأ يدُب الضعف في أركان الخلافة العباسية وبدأت بتفكك، والذي أعقبه في ما بعد سيطرة الفاطميين على مصر والأندلس، وبلاد المغرب العربي، حينها أعلن الإمام الفاطمي الإسماعيلي عُبيد الله المهدي، بأنّه الإمام السابع وخليفة المسلمين، ليبدأ الصراع بين الدولتين الفاطميين والعباسيين.

بعيداً عن الصراع بين الدولتين، إلا أن كلاهما كانا يسعيا لإيجاد دولة جامعة للمسلمين قاطبة، وعلى غرار ذلك، لا أريد هنا سرد ما جرى حينها، فالتاريخ قد سرد أفضل وأجزل مما قُلت. على الضفة الاخرى وتحديداً ما بين بلاد الرافدين والحجاز، ظهرت دعوة القرامطة، نسبة لحمدان أبن الأشعث المُلقَّب "بقُرمط في العام 899م"، هذه الدعوة التّي تحولت في ما بعد إلى دولة صغيرة ، سكنت البحرين والأحساء، هي محل كلامي في هذ ه المدونة.

في اللحظة التّي كان يتوجب علينا أن نلملم فيها شتاتنا نحو من يتربصون بنا من قريب، أبوا إلا أن يغرسوا رماحهم وسيوفهم في خواصر أشقائهم.

لسبب أن الأوضاع تُعيد في كل مرة إنتاج قرامطة جُدد، ينكأون الجراح في جسد الأمة، ولا يملكون مشروع دولة قائمة على أُُسس جامعة، وليس لديهم دراية بالقيم والأخلاق التّي تقوم عليها الدول، فطيلة ما يقارب سبعون عاما من حُكم هذه الدولة، لم يكن همّ أُمرائها سوى تحقيق المكاسب الشخصية، ناهيك عن اقتحامهم للمُدن الإسلامية وتدميرها، وتعطيل معظم فروض الإسلام.

ففي العام 930م اجتاحت جحافلهم منطقة الحجاز في موسم الحج، فقتلت من أهل مكة وحُجاج بيت الله الحرام الكثير من الناس، نهبوا البيوت وسبوا النّساء، أخذوا الحجر الأسود من الكعبة، وعطلوا موسم الحج لمواسم عديدة، أحرقوا مدينة الكوفة حين دخلوها، دمروا مدينة الهجر البحرينية حين دارت الحروب فيما بينهم، وحين أيقن أخر أمرائها أبو سالم الجنابي القرمطي بأن النهاية باتت وشيكة، أولى زمام الإمارة في العام 931م إلى شاب فارسي كان قد رأى أنه هو المهدي المنتظر، لتُقسم الدولة بعدها إلى ثلاث دويلات، دولة العيونيون، وبنو الزجاج، وآل عياش.

يُعيد التاريخ نفسه بأدوات مختلفة، وقرامطة جُدد، تنكروا لقوميتهم وعرقهم، وأساءوا لدينهم وقيمهم وأخلاقهم، تناسوا آداب الجوار والأخوة ، قتلوا أبناء جلدتهم في كل مكان، أحرقوا المُدن بأموالهم الطائلة، أسلموا ولاءتهم لأعداء الأم ضد أبنائها.

في العام 930م اجتاحت جحافلهم منطقة الحجاز في موسم الحج، فقتلت من أهل مكة وحُجاج بيت الله الحرام الكثير من الناس، نهبوا البيوت وسبوا النّساء، أخذوا الحجر الأسود من الكعبة.

كم لدينا اليوم من قرامطة جُدد، تسعى مشاريعهم لزعزعة الصف العربي، والُلحمة الإسلامية، تُغيظهم الهوية الإسلامية، وكل ما هو إسلامي. كم لدينا اليوم من قرامطة جُدد، كثُرت أموالهم فجندوا من أبناء المسلمين ما يقتُل بعضهم بعض، الحقوا التُهم الكاذبة ولافتراءات المفبركة وأشاعوها فيما بيننا، حشروا أنوفهم في كل شيء، وفي كل مكان، نكثوا بالعهود والمواثيق، وبثوا الشائعات والفرقة بين أبناء المسلمين.

ربما علينا القول ماذا فعل القرامطة الأولين، أمام ما يفعله قرامطة هذا العصر، ففي اللحظة التّي كان يتوجب علينا أن نلملم فيها شتاتنا نحو من يتربصون بنا من قريب، أبوا إلا أن يغرسوا رماحهم وسيوفهم في خواصر أشقائهم، ولا زالوا يفعلون ذلك حتى اللحظة، لم يعوا أن الأيام دول، والزمان لا يستثني أحدا، ودوام الحال من المحال، والعقد الذي تنفرط حليه يصعُب لمها، وكما أن الدور اليوم مر بغيرك، فلن يُخطئك في الغد، ومن لم يعتبر من الماضي فلا مستقبل له.