شعار قسم مدونات

أيـهَّا الأحبَّة.. صلُّـوا صَلاةَ مُـوَدِّعْ.

blogs - pray
في إحدى الليالي الدافئة حيثُ القَمرُ يُطلُّ من خلفِ سَحابٍ ثِقال -وهو في كِسَاءِ بَدْرٍ-. هكذا قال الإمامُ في سَكينةٍ مُستحْضَرة، وفي خشوعٍ دون تكلُّفٍ، قبل أن يشرُعَ في تلاوةٍ بصوت عذبٍ رَخيمٍ يَكادُ يُسمِعُ من به صَممٌ. وعلى الرُغمْ من سماعي قديماً ولمرَّاتٍ عدَّة تلك الكلمات الغَالب على مُجمَلها البساطة من الحديث الشَريف "صَلِّ صَلاةَ مُودِّعْ كأنكَ تَراهُ فَإنْ كُنتَ لا تَراهُ فَإنَّه يَراكَ" (السلسلة الصحيحة للألباني1914). ولكن يبدو أنَّه حِيالَ تأمُّلِ تلك الكلمات اُفْصِحَ عمَّا يستَتِر تحت طيَّاتها من حُضورٍ لقلبٍ سليمٍ يخشى اللَّه كأنَّه يراه. فقط، إن تمَّ تدَبُّر ذلك الحَديث صِدقاً وعُمِلَ به.
– ماذا إن كانت هذه آخرُ صلاةٍ لك؟
ماذا وإن كُنت تصلي بالفعل صلاة مُودِّع؟ ربمَّا إن اطَّّـلع أحدَهُم على الغيب -مجازاً- وعَلِمَ أن هذه آخرُ صلاةٍ له قبل أن يُلاقي ربَّهُ، وقتها فقط، ستَجِدُ أنَّ كلَّ ذي قلبٍ اُحيطَ بهِ غلظة وقسوة سيَسْموا إلى رفيعٍ من مراتب الخُشوع في صَلاته الأخيرة. سيغدو قلباً صافياً أرَّقُ من الماء العذبِ. بل سينقَلبُ إلى قَلب لم يسبق له وأن خَشَعَ وخَضَعَ هكذا وبتلك الكيفية منْذُ ميلاد نبضاتِهِ الأولى من الحياة.

تحت ظِلال رَحَمات اللَّه المُتنزَّلة في غُصونِ ذلك الشَهر الكريم ها قد سنحت الظُروف ولم يتبقى سوى المشيئة، والمشيئةُ تقول الآن أيُّها الأحبَّاء، صَلُّوها كأنَّها الأخيرة لكـم.

بل ولربُّما وجدَّت من كان في أُذنيهِ وَقـْرٌ كأنَّه أصابه صَمَمُ عن استماع الآيات وتدبُّرهِا من ذي قَبل -ربَّما لانشغالهِ بالتفكير في أمورٍ دنيوية بحتة- الآنَ ستَجدهُ يستَمِعُ لآخر آيات تُتلى عليه في الدار الدُنيا بإنصَاتٍ وبدقةٍ يبلغُ مبلغُها عنان السماء. بل ولربَّما سيَودُّ حينها لو يسود الصَمتُ ويَعُمُّ على ربوع الأرض كافة؛ حتى يستلذَّ بسماعِ تلك الآيات السَلِسَة العذبة من قبل أن تنفلتَ روحَهُ إلى بارئها.

ولوَجدت حينئذٍ من كان يتَعامَلُ مع الصلاةِ فيما قَبل على أنَّها واجبٌ مَدرسي سُرعان ما يجب عليه انهاءه وبأي طريقةٍ ممُكنة. الآن ستجده يُفني دقائقَهُ المُتبقية؛ كي يُنهي صلاتَه باتقانٍ مُتفاني لا يُناظِره مثيل، وعلى أكمل وجه ممُكن. أما من كان لا يكُّف عن الحِراك أثناء الصلاة، وممَّن يبدو دائماً على عَجَلَةٍ من أمره. فالآن ستجدهُ يتصلَّب في موضعهِ من الخُشوع كأنَّه شجرةٌ ثابتةٌ متأصلةٌ في بطن التٌراب لألف سنةٍ من الزمان.

وأما من لم تَفِضْ عيناه قَبلاً بالبُكاءً من خشية اللَّهِ، فما إذْ تُقبل الآياتِ تتدفق على مسامِعهِ كسَلْسَالٍ. فهُنا ستجدُ عيناه تفيضُ بكاءً يكادُ يترُكُ من خلفهِ مَوجٌ كالجِبالِ. ولا تَعجَب إن وجدت من كان يقرأ فاتِحة الكتَاب في صلاته كأنَّه يقرأ جريدةً صباحيةً، وهو في عُجالةٍ من أمرهِ، كأن أحدهم يقفُ عن خلفهِ مُتربِّصاً به. لا تعجب؛ لأنَّك ستَجدهُ الآن يقرأ كل آيةٍ منها على مَهلٍ كأنَّه السُلحِفاء ولا ينتقل إلى الآية التي تليها إلا في حال ادراكه تلك التي سبَقَتها. لا تعجب إن كٌسر من على القلوب أقفالُها وبلغت الآيات مبلغها في القلب فازْهَرت خشيةٍ ذاتِ بهجة بعد أن كان قديماً لا يتجاوزُ مبلغُها إلا الحناجرَ ولا من صداهَا إلا المسامعَ ولا من أطرافها إلا الألسنة.

– لمَ القلبُ قد لا يُطاوِعُنا في الخشوع بالصلاة؟
الأمر برُّمتهِ في حيثياتهِ له ارتباط وثيق وشاهد من قديم الزمان عتيق على صِلَتهِ بقَسوة القلب. والأخيرة ما هي إلا نتيجة سببية لعلَّةِ المعاصي والذنوب التى ما تُسارع أن تُثقل الكواهِل وتُفرغ على القلوب -بطريقة هيستيرية- سوداويةً مُظلمة. ولعلَّ قسوة القلب قد تمَّ ذكرها مراراً وتكراراً في مُحكم التنزيل سواء من قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74) أو قوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (المائدة: 13).

وعليها فإنه يستوجب بأن يُعلمَ -يقيناً- بوجود عائق يُعرقِل المرء من بلوغ ذروة الخُشوع وهو يُدعى قسوة القلب، ولاجتنابه كان لِزاماً أن يحذو المرءُ طريقاً غير الذي تَسلك فيه المعاصي والموبقات، وآليَّةُ ذلك تكمنُ في ذكرِ اللَّه، وجِهاد النفس، ويالعظمته جهاد! وكَما ذُكر في مُحكم التنزيل في فضل الذكر ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23) فما بعدها وما إن يتمُّ دحضُ وانتزاع سموم الذنوبِ من القلب نزعاً، فوقتئذٍ يُصبحُ القلبُ سليماً -هُنا-، ويُصبِح من أطهر القلوب عند الرحمن -هُناكَ-. ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88).

– وهل من سبيلٍ كي نستزيدَ في الخُشوع بالصلاةِ ونتلذذ بِها؟
قرأت من ذي قَبل روايةً نُقلت بين "عِصَامْ بن يُوسُفْ" و"حَاتمْ الأصَمْ" للاستزادة في الخشوع بالصلاةِ ربَّما تكونُ مَبنيَّةً على التَخيُّل ولكنَّها تؤتي ثمارُها، اقتبس لكُم مِنها. "فقال "عِصَامْ بن يُوسُفْ": فأخبرني عن كيفيتها. قال "حَاتمْ الأصَمْ": تجعل الكعبةَ بين حاجبَيك، والميزان نُصْبَ عينيك، والصراط تحت قدميك، والجنة عن يمينك، والنار عن شمالك، وملك الموت خلفك يطلبك" (صفة الصفوة 4 / 161) (الحلية 8/ 74 – 75).

– وهل الصلاة في الأساس فُرضَت لتُشَّكل عبئاً علينا فيما بعد؟
قولاً وتفصيلاً جملةً واحدةً لا، فالصلاةُ في الأصل ما هي إلا ترياقٌ للروح وليست لعِلَّةٍ إلا لموازنةُ كيمياء النفس في كَبتِ شهواتِها فضلاً عن كونها سبيلاً لملاقاة الرحمن في خِضْم مُعتركاتٍ وشرورٍ مُترصدةً ومُتربِّصةً كقَصَرٍ جارحٍ ما يلبث أن ينقض على فريسته إذ يُصيبُها النُعاس. وإلاَّ فإن كانت الصلاة تٌشكِّلُ عبئاً علينا، فحينئذٍ لم يكن لأشرف المُرسلين أن يقول لبلالٍ بن رباح "أرحْنا بها يا بلال".
 
– لمَ قد يرى البعض في الصلاة عبئاً وهمَّاً ثقيلاً؟

الصلاةُ في الأصل ما هي إلا ترياقٌ للروح وليست لعِلَّةٍ إلا لموازنةُ كيمياء النفس في كَبتِ شهواتِها فضلاً عن كونها سبيلاً لملاقاة الرحمن في خِضْم المُعتركاتٍ والشرورٍ.

أولاً، الأكثر شيوعاً بين فيمن يرى ذلك هو من يؤخِّر الصلاة عن ميعَادها فما إن تتراكم عليه واحدة تلو الأخرى فمن البديهي أن يسكن القلب ذلك الشعور ويُخالِجه ولنتذكر سوياً قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: 103).
ثانياً، قد يرجِع بنا إلى ما ذكرناه في البداية من عِظَم ثِقَل الذنوب و ارتكاب المحاذير التي تؤدي إلى قسوة القلب ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 43).

ثالثاً، وساوس الشيطان قد تؤدي في عديد من الأحيان إلى قذف هذا الشعور في القَلب. فلا عَجب أن الوساوسَ نحو ضِعافِ النفوس كَفيلةٌ بأن تقلب عليهم موازين الحقِ إلى باطل في طرفة عين، والعكس سيان. وهُنا الحلُّ الاستعاذة باللَّه من الشيطان الرَجيم ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200) مع الإيمان واليقين تماماً ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76). وتحت ظِلال رَحَمات اللَّه المُتنزَّلة في غُصونِ ذلك الشَهر الكريم ها قد سنحت الظُروف ولم يتبقى سوى المشيئة، والمشيئةُ تقول الآن أيُّها الأحبَّاء، صَلُّوها كأنَّها الأخيرة لكـم… أيُهَّا الأحبَّة، صلُّوا صَلاةَ مُوَدِّعْ.