شعار قسم مدونات

قصتي مع ميادة الحناوي

blogs - ميادة الحناوي
بدايةً، ينبغي أن أقول إِنني لا أعرف المطربة السورية ميادة الحناوي شخصياً، ولم ألتقِ بها في حياتي، لكنَّ قصتي معها لا تزال محفورة في ذاكرتي، وهي قصة غريبة وحقيقية في آنٍ معاً. في عام 1998، كُنتُ طالباً في الصف العاشر. وكان مُعلِّم اللغة العربية يشرح قصيدة أبي العلاء المعري الشهيرة التي مطلعها:
غَيْرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتقادي … نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنُّمُ شادِ.
واصلَ المعلِّم الفاضل شرحه حتى وصل إلى البيت:
أبَكَت تِلْكُمُ الحمامةُ أَم غَنَّت … على فَرْعِ غُصنها الميَّادِ
.
ثُمَّ قال: ما معنى كلمة "الميَّاد"؟ وما إِن سمعتُ السؤال حتى تبادرَ إلى ذِهني اسم "ميادة الحناوي"، لأن الكلمة ذات معنى واحد. فالغُصن الميَّاد هو المائل، ومادت المرأة أي: مالت وتبخترت كما يَميد الغُصن.
لقد تَهَوَّرْتُ وارتكبتُ الخطأ الكبير، وقلتُ بكل طَيش ورُعونة: (ميادة الحناوي!). صُعق المعلِّم من هذا الرَّد، لكنَّه لَم يَعرف الطالب الذي تَفَوَّه بهذه الكلمة، فقال مُخاطباً طلاب الصف كلهم -وكانوا تقريباً ثلاثين طالباً-: (مَن الذي قال هذه الكلمة؟). رَفعتُ يدي بخجلٍ شديد، وقُلتُ: (أنا). فما كان مِن المعلِّم إلا أن قال: (اطلع بَرّه).

طردني من الصف، وكانت أول مرَّة في حياتي الدراسية يتم طردي فيها والأخيرة والحمد لله. خرجتُ أجرُّ أذيال الخيبة والعار أمام طلاب الصف، وقد أثَّرَ فِيَّ هذا الموقف كثيراً، فقد كُنتُ طالباً مجتهداً وذا أخلاق حسنة، ومحط أنظار المعلِّمين. لكني ارتكبتُ خطأ كبيراً، وما زِلتُ نادماً عليه حتى هذه اللحظة.

المضحكُ المبكي أن ميادة الحناوي تُقدِّم نفسها ملكةً للرومانسية والأحاسيس والأغاني العاطفية، ومَعَ هذا تقف مع الجاني ضِد الضحية، فأينَ المشاعر والأحاسيس والحب الدافئ والكلمات الرقيقة؟!

هذه الحادثة الحقيقية لا تزال تسيطر على تفكيري رغم مرور كُل هذه السنوات. وقد اقترنَ طَرْدي من الصف باسم "ميادة الحناوي". صحيح أن الذَّنْب ذَنْبي، ولا أدافع عن نَفْسي، ولا أُبرِّر الخطأ الذي ارتكبته، ولا ذنب لميادة الحناوي في موضوعي الشخصي، لكن ذنبها أكبر من قصتي.

إن ميادة الحناوي تَدعم رئيس النظام السوري بشكل أعمى ومُطْلق، وتصفه بالقائد العظيم، وهو الذي طَرَدَ نِصف الشعب السوري من ديارهم، ودمَّر حضارةً كاملةً عُمرها آلاف السنين. وهي تُجاهر بهذا الرأي أمام وسائل الإعلام، ولم نسمع كلمةً منها في الدفاع عن أبناء وبنات شعبها.

والمضحكُ المبكي أن ميادة الحناوي تُقدِّم نفسها ملكةً للرومانسية والأحاسيس والأغاني العاطفية، ومَعَ هذا تقف مع الجاني ضِد الضحية، فأينَ المشاعر والأحاسيس والحب الدافئ والكلمات الرقيقة؟! وقد يقول قائل إن الفنانين السوريين محاصَرون ضمن دائرة حكومية قمعية، فلا يقدرون على تبني قضايا الحرية والعدالة ونقد النظام السياسي خوفاً من اضطهادهم وتعريض حياتهم وأُسرهم للخطر. فنقول إن مشاهير الفن ليسوا أعظم من الشعوب الثائرة التي تُضحِّي بحياتها في سبيل حريتها. فهؤلاء النجوم عليهم أن يساهموا في قيادة حركة الجماهير نحو التحرر لا العبودية. فالفنُّ الحقيقي هو رسالة وموقف، وله ضريبة ينبغي دفعها. وهذا ليس كلاماً إنشائياً في الهواء. فهذا المعنى جسَّدته الممثلة المصرية الراحلة فاتن حمامة واقعاً ملموساً، وقد دفعت ثمن مواقفها السياسية المعارضة لنظام جمال عبد الناصر، مِمَّا اضطرها إلى مغادرة مصر عام 1966م، لكي تظل عَصِيَّةً على التدجين.

إذا كانت ميادة الحناوي لا ذَنْبَ لها في طَرْدي من الصف أيام المدرسة، إلا أنها مُذنبة في حق الشعب السوري الذي صار مصيره محصوراً بين القتل أو التهجير.

فقد سعت المخابرات المصرية في الستينيات لتجنيد فاتن حمامة والعديد من الفنانات والفنانين، ولم تنجح بذلك مع فاتن حمامة بالرغم من الشائعات والضغوطات التي مارستها. وبعد جهد طويل وقرارات حظر السفر ومنع فاتن حمامة من المشاركة في المهرجانات، استطاعت السَّفرَ خارج مصر. وبالرغم من طلب جمال عبد الناصر من المشاهير إقناعها بالعودة إلى مصر، ووصفها بأنها "ثروة قومية" إلا أنها عادت عام 1971، بعد وفاة عبد الناصر.

واتجهت بعد ذلك لتجسيد أدوار نسائية ذات طابع نقدي وتحمل رموزًا ديمقراطية كما حدث في فيلم "إمبراطورية ميم" ( 1972). وكثيرون أَبَوْا أن يكونوا أبواقاً جَوفاء، وقد دفعوا ثمن مواقفهم، لأن الفن _أولاً وأخيراً_ هو التزام فكري أخلاقي وليس صفقة انتهازية. وإذا كانت ميادة الحناوي لا ذَنْبَ لها في طَرْدي من الصف أيام المدرسة، إلا أنها مُذنبة في حق الشعب السوري الذي صار مصيره محصوراً بين القتل أو التهجير.