في فساد مكافحة الفساد

مدونات - تونس
تتجند منذ أيام الحكومة التونسية وبعض الأحزاب وعدد من وسائل الإعلام للترويج والدعاية لما سمي بحملة مكافحة الفساد التي أطلقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وشملت مجموعة من رجال الأعمال لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، ألقي القبض عليهم ونسبت لبعضهم تهما بعيدة كل البعد عن الفساد الذي تدعي الحكومة أنها عقدت العزم أخيرا على مقاومته.. ولم تكتف الحكومة بهذا بل عمدت من خلال لجنة المصادرة إلى مصادرة ممتلكات هؤلاء في إجراء يذّكر بما حصل مع بن علي وأفراد عائلته وأقربائه بعيد الثورة..
هذه الحملة المزعومة لم تأت من فراغ.. ولم يكن مطلقا الدافع من ورائها وضع حد لجرائم الفاسدين بل كانت نتاج أحداث متعددة تمر بها البلاد التونسية مؤخرا… فلو كانت النية حقا مجابهة الفساد، فلمَ كل هذا التأخر ولماذا لم تسارع الحكومة برئاسة يوسف الشاهد منذ يومها الأول بإيقاف المتورطين في قضايا الفساد، خاصة وأن رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد؛ قد أكد في "خطبة الوداع" أن مكافحة الفساد في تونس أصعب من مكافحة الإرهاب؟

تمكنت الحكومة من إخماد الجو الثوري الذي كانت تعيشه البلاد منذ فترة وعززت ذلك بطلب تأجيل النظر في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية دون التخلي عنه.. وهي مناورة واضحة المعالم، ولا وجود لحملة لمكافحة الفساد كما يروج.

لا شك إذن أن جملة الإيقافات لم تكن بمعزل عما تعيشه تونس مؤخرا، وبالخصوص أحداث تطاوين، فالتزامن بين الحدثين لا يمكن البتة أن يكون بريئا، ليس هذا فقط بل هناك أسباب أخرى سنأتي على ذكرها..

أمّا بالنسبة لأحداث تطاوين، فيبدو أن "حملة الشاهد" قد حققت هدفها المرجو فتمكنت من التغطية على اعتصام الكامور والمعركة التي يخوضها الشباب التونسي من أجل المطالبة بالاستفادة من ثروات البلاد فأعمت العيون عن الجنوب التونسي وفتّحتها على المحكمة العسكرية التي ستنظر في القضايا المنسوبة لأشهر الموقوفين وأكثرهم إثارة للجدل، وهو رجل الأعمال شفيق الجراية..

فما من شك أن الاهتمام الشعبي والإعلامي بمسألة الثروات النفطية قد خفت، وهذا ما يؤشر ربما إلى فشل اعتصام الكامور كما فشلت من قبله حملة وينو البترول، والتي وقع ربطها بحادث سوسة الإرهابي.. فالحكومة ولئن كانت تتجنب الحل الأمني لوضع حد لمثل هذه التحركات الثورية؛ فإنها تبحث عن حلول أخرى لا تكلفها المزيد من الغضب الشعبي، بل بالعكس، فقد تحشد من خلالها الدعم وتقلب الموازين لصالحها.. وهو عين ما أرادته بإطلاق ما سمي بحملة مكافحة الفساد، وفي الحقيقة فإن هذه السياسة مستلهمة أساسا من الاستراتيجية البورقيبية لمجابهة الأزمات المتمثلة فيما يعرف بسياسة كباش الفداء والتي أتقنها بورقيبة، فكان كلما مرت البلاد بأزمة أو بموجة احتجاجات تهدد عرشه إلا وسارع للتضحية ببعض رجاله الأقربين، ورمى بهم في غياهب السجون من أجل امتصاص الغضب الشعبي.. لتصبح الحناجر التي أمست تنادي بسقوط بورقيبة تهتف بحياته..

وفعلا! تمكنت الحكومة من إخماد الجو الثوري الذي كانت تعيشه البلاد منذ فترة وعززت ذلك بطلب تأجيل النظر في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية دون التخلي عنه.. وهي مناورة واضحة المعالم، ولا وجود لحملة لمكافحة الفساد كما يروج، ولو كان الأمر كذلك لشملت الحملة العديد من الوجوه المعروفة التي لا يخفى على أحد تورطها في قضايا فساد، ومن بينها رؤساء أحزاب وبرلمانيين وحتى وزراء…

حزب نداء تونس الذي عاني ويلات الانشقاقات والذي فقد بريقه رغم إصرار البعض على أنه ما زال الحزب الأول في البلاد بحاجة إلى إنتاج رموز جديدة تخول له تحقيق نتائج إيجابية سواء في الانتخابات البلدية القادمة أو التشريعية والرئاسية فيما بعد.

بالإضافة إلى ما سلف، تبرز أسباب أخرى أدت بالشاهد لإطلاق حملته المزعومة ومن بينها حماية رجال أعمال آخرين هم الأكثر فسادا ممن تم إيقافهم.. الدولة إذن تحل محل المافيا وعصابات المال الفاسد لتصفي حسابات شق منها على حساب الآخر.. والحكومة لا تقوم بدورها في مكافحة الفساد بل هي تغلب فسادا على فساد.. وأهم من يعتقد أن من أوصله المال الفاسد للسلطة سيبصق في إناء أكل وما زال يأكل فيه وأن من شبّ على الفساد لن يشيب عليه..

أيضا، للحملة المزعومة سبب آخر، فحزب نداء تونس الذي عاني ويلات الانشقاقات والذي فقد بريقه في الشارع التونسي رغم إصرار البعض على أنه ما زال الحزب الأول في البلاد بحاجة إلى إنتاج رموز جديدة تخول له تحقيق نتائج إيجابية سواء في الانتخابات البلدية القادمة أو التشريعية والرئاسية فيما بعد.

وما يدعم هذا القول التعامل الإعلامي مع ما يسمى بحملة مكافحة الفساد وإظهار الشاهد على أنه المنقذ الجديد والرجل الشجاع بما لا يدع مجالا للشك أن الرمز الجديد لنداء تونس سيكون قطعا يوسف الشاهد.
خلاصة القول أن مكافحة الفساد في تونس حق يراد به باطل.. وأن الحملة الأخيرة بحدّ ذاتها تشوبها كل شوائب الفساد.. وما بني على فساد لا يكون إلا فاسدا..